بعد أن تعلم علوم الشرع وحفظ كتاب الله، فكر فى أمره وأول خطوة قرر الإقدام عليها هو الفهم الأعمق للفكر الصوفى الذى استهواه من البداية.
أتذكر نقاشا دار بينى وبين ابنى بعد أن قرأ رواية باولو كويلو الشهيرة «الخيميائي» فى عام ألفين وثمانية عشر.
تحكى الرواية عن راعى غنم شاب فى إسبانيا يلتقى بعدد من الشخصيات التى تترك أثرًا فى حياته، منها ساحر وغجرية وملك، وكلما قابل شخصية عرف شيئًا عن كنز قديم مخبأ فى مكان ما فى الكرة الأرضية، وكل شخص يقابله الفتى راعى الغنم فى رحلته يرشده إلى حل لغز مكان الكنز فينتقل بحثًا عن الكنز بين البلاد، من إسبانيا يصل إلى مصر فقد أوصلته كل الدلائل إلى أن الكنز فى مصر عند الأهرامات، لذا أخذ على عاتقه أن يسافر إليها ليجد الكنز هناك، وخلال رحلته يتعلم الكثير من الدروس، ويتعرض للكثير من العقبات وأخيرًا يصل إلى مكان الكنز بعد سفره الطويل عند سفح الهرم. ولكنه لا يجد الكنز، بل يجد دليلًا أخيرًا على مكانه يقابل لصًا يريد سرقته، وبينما يحاول اللص سرقته يخبره بلا قصد أنه يبحث عن كنز، وأنه عرف وتيقن أن الكنز هناك، فى الكنيسة فى إسبانيا موطن الفتى، والمكان الذى بدأ منه رحلته. فيعود الفتى مسرعًا إلى حيث نشأ ليجد أن الكنز هناك فى انتظاره حقًا فى الكنيسة التى تركها. ولكن كان لابد له من الرحلة ليجد الكنز، وكان لابد أن يصل إلى الأهرامات، ويقابل اللص الذى ساعده بلا قصدٍ منه، ويقابل كل من قابل فى رحلته. فى كل خطوة، كان هناك دليل، ولكن ليفهم الدليل كان لابد أن يفتح قلبه وعقله، وأن يكون يقظًا لمعانى الكلمات والدلائل. فالمكتوب له أن يستعد للكنز كما يتأهل له الكنز. والمكتوب له أن يعرف ويفهم قبل أى شيء. وأحيانًا لا يتسنى لنا الفهم إلا لو ابتعدنا، فرأينا ما حولنا بصورة أوسع وأشمل. للرواية الكثير من المعانى ولرحلة راعى الغنم نهاية سعيدة، فقد وجد الكنز. ولكن الكنز ليس دومًا مالًا فقط أو ذهبًا، ولكنه فهم ومعرفة.
شىء كامن فى الأعماق
عندما دار النقاش بينى وبين ابنى عن معانى الرواية حينها شعرت لوهلة أننى أشبه بطل الرواية إلى حد كبير لأننى خرجت من بلادى باحثة عن فرصة للتعليم فى جامعة أكسفورد ثم عندما انتهيت من تعليمى عملت فى الجامعات البريطانية والأمريكية وطوال هذه الأعوام وأنا أبحث عن شيء معين كامن ربما فى الأعماق. ويشاء القدر أن أعود إلى مصر فأجد أن ما بحثت عنه كان موجودا أمامى طوال الوقت. عن هذا المعنى الفلسفى لرحلة وجودنا على هذه الأرض كتب باولو كويلو رواية ربما تجد صدى لدى الكثيرين ممن يبحثون عن سعادة أو نجاح أو اكتفاء.
ولكننى وأنا أقرأ عن حياة أحد أولياء الصوفية عام ألفين وعشرين وهو أبو الحسن الشاذلى شعرت أن باولو كويلو فى روايته تأثر كل تأثير برحلة أكثر عمقا من الولد فى الرواية ومن رحلتى أنا أيضا، وأكثر تأثيرا على البشرية. رحلة قام بها أحد أهم أقطاب الصوفية أبى الحسن الشاذلي.
من المؤكد أن باولو كويلو قد تأثر بالصوفية عامة ولكن عندما نحكى قصة الشاذلى سنعرف أوجه الشبه بين حياته وحياة الشخصية المتخيلة راعى الغنم الشاب فى رواية الخيميائي. وقد كتبت عن هذا التأثير فى كتابى البحث عن السعادة عام ألفين وثلاثة وعشرين.
نتكلم فى هذا المقال عن أبى الحسن الشاذلى الإنسان. هذا الإنسان الذى لم يترك لنا أى كتاب على عكس ابن عربى أو أبى حامد الغزالي. وعندما سأله الناس لم لا تكتب كتابًا يا شيخ، قال «أصحابى هم كتبي».
ولد عام (1196م) فى المغرب، وتوفى فى حوالى (1258م) فى مصر، عاصر نهاية العصر الأيوبى فى مصر وبداية العصر المملوكي ولكن أفكاره وكلماته جمعها بعد ذلك الفقيه الصوفى ابن عطاء الله السكندرى (1260-1309) فى أعماله، وخاصة فى كتابه «لطائف المنن»، بعد حوالى أربعين عامًا من وفاة الشاذلي.
التوجه إلى الله
ما يميز الشاذلى إذا وصفناه هو قربه منا كلنا باعتبارنا بشرًا، فهو يخطئ ويصيب، يعمل ويتعبد، يرتدى الجميل من الثياب، ويملك المزارع والماشية، ولكنه يضع الدنيا فى يده وليس فى قلبه. هو يعيش، يتزوج وينجب، ويشترك فى الحروب، ولكنه دومًا يتجه إلى الله مفتقرًا إلى خيره.
الشاذلى كما يمكن أن نطلق عليه «واحد من الناس» فليس عجبًا أن يحظى بهذا القدر من الحب، بل العشق من الكثيرين حتى إن مكان موته فى «حميثرة» أصبح مسجدًا ومزارًا يأتى إليه الناس من شتى أنحاء العالم ليصلوا بجانب شيخٍ رأوا إنسانيته قبل ورعه وتواضعه. هو الإنسان... «علي»... أو هو أبو الحسن الشاذلي. نشأ «علي» نشأة رجل غني، ويبدو أنه كان جميل الوجه، ويجيد علوم الدين، وركوب الخيل، نشأ فارسًا يعرف دينه، ويريد أن يتقنه، ويبحث عن طريق يقربه إلى الله.
بعد أن تعلم علوم الشرع وحفظ كتاب الله، فكر فى أمره. وأول خطوة قرر الإقدام عليها هو الفهم الأعمق للفكر الصوفى الذى استهواه من البداية. ربما فى هذا الصدد يشبه «علي» أبا حامد الغزالى وابن عربى فى رحلتهما للبحث عن الحقيقة والقرب من الله. ولكنه سيتخذ طريقًا مختلفًا.
قرر كما قلنا أن يبحث لنفسه عن شيخ يتعلم على يده. وعندما فكر فى الأمر، قرر أن يسافر إلى العراق أولًا لأن السياحة ستفيده وتعلمه، ولأنه كان حينئذ مقتنعًا أن القطب (أهم ولى من أولياء الله فى الصوفية) لابد أن يكون فى العراق لأنها فى المشرق، وهناك يكمن أهل العلم. ووصل إلى العراق، وقابل هناك العلماء، وتعلم منهم ولكنه لم يرتو. فقرر أن يسعى ليقابل أهم شيخ حينها فى الصوفية فى العراق، هو أبو الفتح الواسطي.
وتقابل معه، وتعلم، ولكنه لم يجد ما يبحث عنه، لم يجد القطب، أو ربما كما كتب باولو فى روايته عن راعى الغنم لم يجد الكنز الذى يبحث عنه فى أسفاره مع أنه ترك بلاده المغرب باحثًا عن الكنز. وبينما هو فى حيرة من أمره يشعر أنه لم يصل إلى ما يبحث عنه فى العراق، قابل أحد أولياء الله فأعطاه آخر دليل يبحث عنه للوصول إلى الكنز، قال له «إنك تبحث عن القطب فى العراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده».
وها هى قصة الشاذلى تبدو هى أصل قصة باولو كويلو عن راعى الغنم،. فنجد أن الشاذلى احتاج إلى السفر فى سياحاته، ليكتشف أن ما يبحث عنه لم يترك بلاده هو. واضطر أن يرحل ليعود، واضطر أن يبحث ليجد، واضطر أن يطهر نفسه ليدرك.
السؤال هو عما كان يبحث الشاذلي؟ هذا الشاب الفارس الغنى ماذا أراد؟ ولِمَ لم يرتو من كل معلميه؟ هو يبحث عن معلم يحرك وجدانه، فكم من معلم مر علينا ولم يحرك قلوبنا بنشوى المعرفة؟ الشاذلى يبحث عن الشغف، عن ارتواء الروح والنفس. تفكيره أعمق من الشباب فى عصره وعمره يحتاج إلى أن يرتوي، فيرحل فى سياحته باحثًا عن هذا الارتواء.
عاد الشاذلى إلى موطنه المغرب، وقد أدرك أن القطب ما هو إلا رجل زاهد لا يبحث عن رياسة ولا سلطان، رجل كرس كل حياته لعبادة الله، والبعد عن الذنوب، «عبد السلام بن مشيش» الذى كان يختلى فى مغارة فى جبال المغرب.
وبعد بحث، أخيرًا وصل إلى مغارة «الشيخ عبد السلام بن مشيش» أعلى الجبل. فهمّ بالدخول عليه فى حماس وكأنه وضع يده على الكنز الذى يبحث عنه منذ بدأ أسفاره. استأذنه «علي» فى الدخول، فجاء صوت الشيخ من داخل المغارة بكلمتين فقط: اذهب فاغتسل.
ومن حسن حظه أنه وجد مكانًا للوضوء بجانب المغارة، فاغتسل، وتوضأ، وعاد يستأذن الشيخ فى الدخول فقال له «اذهب فاغتسل». فذهب «علي» مرة أخرى ليغتسل، والحيرة تسيطر عليه، وعاد يستأذن الشيخ فقال له لثالث مرة: اذهب فاغتسل.
يعتز بعلمه، ويعتد بعبادته
يقول د. عبد الحليم محمود:
(وفكر «أبو الحسن» فى الأمر، وركز انتباهه فى الموضوع، وتبين له فى وضوح أنه يعتز بعلمه، ويعتد بعبادته.
فكان فى نفسه شيء من آثار ذلك. عزة بالعلم، اعتداد بالعبادة. ولما فكر فيما يجول بشعوره، ووضح له الأمر، غمره نوع من الخجل، فتاب وأناب، واغتسل من عزته بعلمه، ومن اعتداده بعبادته، ووطن نفسه على أن يلتقى بالأستاذ وهو على طهارة من كل ما يتصل بالفخر والخيلاء).
أول درس تعلمه «علي» فى رحلته للطريق هو التواضع وهو درس جليل لو تعلمون فلم يعتز «علي» بالمال، بل بالعلم، ولم يثق فى نفسه من أجل جاه، بل من أجل صحة دينه، وورعه، وإيمانه، وصومه، وصلاته، ومع ذلك كان لابد أن يتطهر وأن يتواضع لله. فكما يقول الشيخ عبد الحليم محمود فى كتابه «قطبا المغرب»: إن آدم عليه السلام تواضع. ويعطى عبد الحليم محمود مثالًا لكلمات موسى عليه السلام للخضر، فموسى يقول للخضر: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»؟ «الكهف: 66».
نختم هذا المقال بكلمات الشاذلى الرائعة وهو ينصح مريده:
«ألق بنفسك على باب الرضا، وانخلع عن عزائمك وإرادتك».
الشاذلى

د. أسامة السعيد يكتب: رحلة العمر
علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف
حُسن الخاتمة !






