فى الحج، تعيد اكتشاف نفسك، عندما تتخلى عن كل مظاهر الحياة الزائلة، وتلقى بإرادتك فى بحر الطاعة، فتجد كل موجة تسلمك إلى موجة أعمق من الامتنان والسعادة التى تستشعرها مع كل خطوة تخطوها فى رحاب الرحمن.
«كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة».. هذه المقولة للعارف الصوفى محمد بن عبد الجبار النفّرى (توفى 354 هـ - 965 م) تلخص كثيرًا من المواقف التى يشعر الإنسان أمامها بالعجز حين يحاول أن يكتب عن تجربة كبرى أو شعوره بها، ومن تلك التجارب بكل تأكيد تجربة الحج، الحج رحلة بالروح قبل أن تكون بالجسد.
فى رحلة الحج تتزاحم الأفكار والمشاعر، وتصطخب داخل الإنسان أحاسيس شتى بعضها يتذوقه للمرة الأولى، حتى نفسه التى يظن أنه يعرفها تمام المعرفة يدرك فى الحج أنه يراها بصورة مختلفة.
فى الحج يبدو كل عمل مغايرًا عما اعتدت فعله، ليس فقط فى وطنك الأم، بل حتى فى داخل مكة فى غير أيام الحج، للوقوف بين يدى الله لذة مختلفة ولا أقول فقط رهبة، وللذكر حلاوة تجعلك تكاد تتذوق كلمات الاستغفار والتسبيح كحبات عسل مصفى تنثال من اللسان إلى أعمق أعماق الروح.
آيات القرآن عندما تقرؤها أو تستمع إليها فى الصلاة وتستشعر أنك تقف فى المكان الذى لامست فيه آذان البشرية كلام الله للمرة الأولى، تشعر بالذكر الحكيم يتردد فى روحك وكأنك لم تنصت له من قبل.
عندما تقودك خطواتك ما بين الطواف حول الكعبة، والسعى بين الصفا والمروة، ثم الوقوف بعرفات، أو المبيت بمزدلفة ثم رمى الجمرات بمنى، وتدرك أنك تستلهم خطى الملائكة والأنبياء الذين ساروا على هذا الدرب قبل آلاف السنين، وأنك تطأ الأرض نفسها التى سار عليها من قبلك مئات الملايين وربما المليارات من الحجاج عبر القرون، تشعر بحالة انسجام فريدة ليس فقط مع المكان ولكن مع حركة الزمن.
تستشعر حالة عميقة من الامتزاج مع حركة الكون وأنك ما جئت إلى هنا إلا بقدر اجتبائك من بين مليارات المسلمين الذين تهفو قلوبهم لأداء تلك الفريضة المقدسة، ولكى تكون جزءًا من رحلة تختلف عن أى رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان فى حياته، فهى بلا مبالغة .. رحلة العمر.
عبادة الجسد والروح
فى الحج، تعيد اكتشاف نفسك، عندما تتخلى عن كل مظاهر الحياة الزائلة، وتلقى بإرادتك فى بحر الطاعة، فتجد كل موجة تسلمك إلى موجة أعمق من الامتنان والسعادة التى تستشعرها مع كل خطوة تخطوها فى رحاب الرحمن، تنسى تلك المشاغل التى طالما أرقتك واستنزفت طاقتك، فيكون همك انتظار الصلاة تلو الصلاة، والانشغال بالذكر والتقرب من الله بين الفرائض.
حتى جسدك الذى كنت تحرص على إراحته وعدم إجهاده تتراجع أولويته، فتتجاهل تعبك وربما آلامك، لأنك مشغول بلذة أعمق ومدفوع بطاقة أكبر، فروحك تحلق فى فضاءات أبعد كثيرًا، وتتجاوز احتياجات الجسد ومتاعبه، فتجد فى المشقة متعة، وفى الصبر لذة، وفى التجرد من متع الدنيا إحساسا بأنك أخف وأكثر ارتياحًا وانطلاقًا فى تلك الفضاءات النورانية الرحبة.
ثوب الحجاج أقرب إلى الكفن، يتحركون فى مسيرات تذكرهم بمشهد الخروج لملاقاة الله يوم القيامة كى يعملوا لأجل تلك الساعة، أعمق نوم يمكن أن تتذوقه فى حياتك يأتيك على حصى مزدلفة بعد أن تتخفف من همومك وتلقيها بين يدى الله فى يوم عرفة، لعلك تتذكر أن الراحة الحقيقية ليست بالثراء ورغد العيش، بل بالتخفف من أحمال الدنيا والتوكل على الله.
فى الحج، لا تحسب الخطوات بالأمتار ولا بالأميال، بل بالأحاسيس والمشاعر، فأنت فى سيرك نحو الحرم المكى للصلاة أو للطواف والسعى لا تنشغل بالمسافة التى تقطعها، بل بما ينتظرك فى نهاية الطريق من ملامسة لجوهر روحك وأن تشعر بالخضوع التام بين يدى الله، أو وأنت تستعيد سيرة السيدة هاجر عليها السلام وهى تسعى بين الجبلين بحثا عن الماء لرضيعها الجائع فى تلك البقعة المقفرة من الأرض، لا يؤنسها سوى يقينها بأن الله لن يضيعها.
تشرب من ماء زمزم المبارك الذى تدفق عند قدمى الرضيع «إسماعيل»، تتلذذ اليوم ببرودته وإحساس الارتواء يملؤك، فتشعر بمدى النعمة التى نرفل فيها، ومدى الإحساس بالندم الذى ينبغى أن نستشعره ونحن ننشغل بمشاكل دنيانا الزائلة، بينما لم يكن لدى هاجر ورضيعها سوى الاعتماد على الخالق وحده، فمنحها الحياة والنجاة فى قلب الصحراء الجرداء، بينما نحن الذين نعيش فى زحام من النعم وتتكدس من حولنا أسباب الرفاهية لا نستطيع أن نستشعر ذرة واحدة من يقين تلك المرأة العظيمة التى خلد الله سعيها وجعله مسارًا واجبًا على مليارات الحجاج عبر الزمن، لا لنتذكر فقط أشواط سعيها السبعة، ولكن لنستعيد ذلك اليقين بالله، باعتباره السبيل الوحيد للنجاة.
بنيان مرصوص
وفى الحج أفكار كبرى يجد المتأمل نفسه مستغرقًا، ليس فقط فى المشاعر المقدسة والمناسك التى يؤديها ملايين الحجاج أخذًا من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن عندما نتدبر رحلة الحج كرسائل إنسانية بالغة السمو، فهذا الاجتماع البشرى الأكبر على وجه الأرض لم يخلق عبثًا، وليس المراد منه فقط مغفرة ذنوب الحجاج والتطهر من خطاياهم، فسبل غفران الذنوب ميسورة فى الإسلام حتى لمن لم يغادر بيته.. الرسالة أكبر وأعمق.
فى الحج التئام لملايين المسلمين الذين جاءوا من أقطار شتى، وثقافات متنوعة، لكن الجميع ينصهر فى بوتقة واحدة صاغها الله لتكون أعلى وأرقى من القوميات والإثنيات والأيديولوجيات ومن المناصب وأسباب التنابذ بين الناس، الجميع يسلك نفس المسار، لا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج بل تآلف وتعاون وطاعة، ما يجعل الوصف النبوى للمسلمين بوصفهم «بنيان مرصوص» حقيقة يلمسها الحاج كل لحظة.
والمتأمل فى الرسائل العميقة للحج يجد نفسه أمام حقيقة أهمية الرابطة الإسلامية فى بعدها الروحى والإنسانى بين عشرات الشعوب، ففى الحرم النبوى أو المكى وفى كل مناسك الحج تلتقط أذنك لغات ولهجات لشعوب جاءت من كل فج عميق تلبية لنداء أبى الأنبياء إبراهيم عندما أمره الله بأن يؤذن للحج.
هذه الرابطة الإنسانية والروحية تجعلنا نفهم بصورة أعمق لماذا عاش الإسلام كل هذه القرون رغم محاولات التآمر والمحو والاضطهاد التى واجهها المسلمون ولا يزالون، سواء فى دولهم على يد الحركات الاستعمارية، أو فى الدول التى عاشوا فيها كأقليات، وتستشعر أن الإسلام - كجوهر كل الأديان السماوية- يُعلى من قيمة الإنسان، ويتجاوز اعتبارات اللون والعرق، فلا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
هذه الروح الإنسانية تمثل أزمة حقيقية وفضحًا محرجًا لدعاة العنصرية والتطرف والاستعلاء من كل التيارات والأيديولوجيات، لذلك بقى الإسلام وسيبقى لأنه منهج ربانى يخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا ويسمو فوق كل اعتبارات التمييز والتفرقة بين البشر.
وعندما تتأمل تلك الحشود المليونية التى تتدفق كل عام على المشاعر المقدسة، وتتذكر المليارات الذين تهفو قلوبهم كى يقفوا هذا الموقف العظيم، لا بد أن تدمع عيناك وأنت تستعيد سؤال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين خديجة رضى الله عنها: ومن سيصدقنى يا خديجة؟
«نوط» خدمة ضيوف الرحمن
قبل أن تنتهى تلك السطور التى تضيق مهما طالت عن الإحاطة ببعض تأملات الحج، لا بد من تسجيل شهادة حق فى جنود غير مجهولين تفانوا فى خدمة ضيوف الرحمن، وبذلوا ما فى وسعهم لتخرج تلك الرحلة آمنة ميسورة.
بذلت المملكة العربية السعودية ومؤسساتها المعنية جهدا هائلا لتأمين الحج، وتفانى الجنود فى التعاون مع الحجيج، ولا تزال أصواتهم ترن فى أذني: حرك يا حاج، ادعى لنا يا حاج، ولا يزال إحساس رذاذ الماء البارد الذى يتطوعون بمحبة صادقة لرشه على الحجاج للتخفيف من حدة الحرارة
يلامس وجهي.
رجال بعثة الحج المصرية التابعة لوزارة الداخلية بقيادة اللواء أحمد عيده مساعد وزير الداخلية للشئون الإدارية كانوا أيضا سفراء فوق العادة، تفانوا فى خدمة ضيوف الرحمن، وقد كان لى حظ أن أكون بين حجاج القرعة، ومنذ بدأتُ إجراءات التقديم مرورًا بكل المراحل كنت ألمس انضباطًا ونظامًا دقيقًا لابد من الإشادة به لوزارة الداخلية.
ولمست شخصيًا كواحد من آلاف الحجاج مدى ما يبذله رجال بعثة الداخلية من جهد، والأجمل أنهم لا يبذلونه تأدية لواجب أو مهمة وهذا شرف بحد ذاته، بل كانوا يعملون بحب وإدراك عميق لقيمة وشرف خدمة الحجاج، متحملين اختلاف الثقافة وتباين عقلية الحجاج وتعدد مطالبهم، وكنت أتعجب من أين يأتون بكل هذا الصبر والهدوء، فجزاهم الله عن ضيوف الرحمن خيرًا.
ولو كان بيدى لمنحتُ كل العاملين فى بعثة الحج المصرية «نوطًا» للواجب اسمه «نوط» خدمة ضيوف الرحمن، لكن بالتأكيد ثوابهم عند الله هو أكبر وأسمى أنواط التكريم.

علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف
حُسن الخاتمة !
ثلاث عشرة سنة على الثلاثين من يونيو






