عبقرية النحات المصري في تمثال عائلي فريد..

حكايات| «سنب» القزم الذي خلدته الأسرة الخامسة

تمثال القزم سنب وعائلته
تمثال القزم سنب وعائلته


من قلب جبانة الجيزة، خرج إلى النور أحد أروع نماذج الفن المصري القديم، تمثال القزم سنب وعائلته، الذي يعود إلى أواخر الأسرة الخامسة وبدايات الأسرة السادسة (القرن 24–23 ق.م)، لم يكن التمثال مجرد تصوير أسري، بل رسالة إنسانية وفنية تكشف مكانة صاحبه الاجتماعية، وعبقرية النحات المصري في تحقيق التوازن والجمال رغم اختلاف الأبعاد الجسدية.

عُثر على تمثال المجموعة داخل ناووس بمصطبة «سنب» الجنائزية في الجيزة، وهي مقبرة مميزة تُعد من أوائل المقابر ذات السقف القُبّي والغرف الدائرية، ما يعكس تطورًا معماريًا لافتًا في تلك الفترة.

يُصوَّر «سنب» جالسًا في هيئة وقورة، بينما تقف زوجته ذات القامة الطبيعية إلى جواره، تضع يدها في حنان على كتفه في لفتة أسرية نادرة تعكس المودة والاستقرار، هذا التكوين لم يكن عفويًا، بل مدروسًا بعناية.

ولتحقيق التناسق الفني، عالج النحات قِصر ساقي «سنب» بحل بصري ذكي؛ إذ صوّر طفليه في موضع ساقيه، جالسين أمامه، ما أوجد توازنًا في الارتفاع وجعل المجموعة تبدو منسجمة في الكتلة والشكل، إنها حيلة فنية بارعة تؤكد فهم الفنان لقواعد النسب والجمال.

وكما جرت العادة في الفن المصري القديم، صُوّر الطفلان عاريين، وكل منهما يضع إصبعه السبابة في فمه، وهي إشارة تقليدية ترمز إلى الطفولة، يقف الابن على اليسار بلون بشرة أغمق، بينما تظهر الابنة بلون أفتح، وفقًا للعرف الفني الذي ميّز بين الذكور والإناث في التلوين.

تكشف النقوش المنقوشة على قاعدة التمثال وأمام المقعد أن «سنب» لم يكن شخصًا عاديًا، بل شغل مناصب مهمة؛ فقد كان كاهنًا جنائزيًا في عصر الملكين خوفو وجدف رع، كما تولّى مسؤولية الخزانة الملكية، وتدل هذه الألقاب على مكانته الرفيعة داخل البلاط الملكي، رغم إعاقته الجسدية.

اقرأ أيضًا | «رمسيس وذهب الفراعنة» يصل لندن

- دلالة إنسانية وحضارية

لا يقتصر تميز تمثال «سنب» على جماله الفني فحسب، بل يكشف أيضًا عن نظرة المجتمع المصري القديم للأشخاص من قصار القامة؛ إذ لم يكونوا مهمشين، بل تقلد بعضهم مناصب رفيعة، وحظوا بتقدير واحترام واضحين.

يبقى تمثال «سنب» وعائلته شاهدًا خالدًا على إنسانية الحضارة المصرية، وقدرة فنانيها على المزج بين الواقعية والرمزية، وبين الدقة الجسدية والانسجام الجمالي، ليصلنا بعد آلاف السنين عمل فني نابض بالحياة، يحكي قصة مكانة وحب وأسرة في قلب التاريخ.