موفد الأوقاف بألمانيا يحكى قصة إسلام شاب قبل الإفطار

عبد الوهاب: مجتمع جوتنجن يشارك المسلمين فرحتهم بشهر الصيام

الشيخ إبراهيم سيد عبد الوهاب
الشيخ إبراهيم سيد عبد الوهاب


عبد الرحمن عبد الحليم

حينما يحل شهر رمضان المبارك، يغادر سفراء القوة الناعمة المصرية من أئمة وزارة الأوقاف والجامع الأزهر أرض الوطن، مُحملين بأمانة الكلمة ورسالة الوسطية ليكونوا منارات هدى للمسلمين فى شتى بقاع الأرض.

اقرأ أيضًا| بيت الزكاة يستمر في إقامة مائدة الإفطار بالجامع الأزهر

فى هذا الحوار، نبحر مع الشيخ إبراهيم سيد عبد الوهاب عبد الحافظ، موفد وزارة الأوقاف المصرية إلى «مركز التقوى الإسلامي» بمدينة جوتنجن الألمانية، لينقل لنا تفاصيل تجربته الدعوية، وكيف يُحيِى أبناء الجاليات المسلمة ليالى الشهر الفضيل فى بلاد الغربة، والتحديات التى تواجه الهوية الإسلامية فى قلب أوروبا.

كيف تصف أول ليلة رمضانية عشتها خارج حدود الوطن؟

أول ليلة.. وما أدراك ما أول ليلة! كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس. لسنوات طويلة اعتدتُ أن أؤم المصلين فى بلدتي؛ حيث الوجوه مألوفة، والثقافة واحدة، واللغة مشتركة. لكن هذه المرة كان المشهد مهيباً باختلافه؛ فأنت تقف إماماً لجمعٍ يتنوع فيه الشكل واللون واللغة والجنس، خلفك تصطف أمة الإسلام بمختلف أطيافها: هذا تونسي، وذاك مغربي، وسوري، وأفغاني، وسوداني، ولبناني، وألباني، وحتى ألمان اعتنقوا الإسلام. إنها وحدة العقيدة رغم تنوع الثقافات.

ما المشاعر التى سيطرت عليكم وأنتم تُحيون رمضان وسط مزيج من الجاليات المسلمة والمجتمع غير المسلم؟

انتابنى مزيج مُعقد من المشاعر؛ فثمة حنين جارف للوطن والأهل والولد، وفى الوقت ذاته فرحة عارمة بهذا الاصطفاء الإلهى بأن أكون إماماً للمسلمين من شتى بقاع الأرض، لكن الشعور الطاغى كان القلق والمهابة من ثقل المسئولية؛ فأنا لا أمثل نفسي، بل أمثل بلدى العظيم «مصر»، ووزارة الأوقاف، والأزهر الشريف، هو تشريفٌ بلا شك، لكنه تكليفٌ يحتاج إلى الكثير من الإخلاص.

اقرأ أيضًا| وكيل الأزهر يحرص على حضور تجهيزات الإفطار الجماعي بالجامع الأزهر

خلال فترة إيفادكم.. ما أكثر الذكريات التى بقيت محفورة فى ذاكرتكم؟

الذكريات كثيرة وثرية، لاسيما لحظات الإفطار فى المركز الإسلامى وتجمعات الأسر المغربية والسورية والمصرية والأفغانية وغيرها، وما يتبع ذلك من ألفة ومودة، ولا أنسى أجواء يوم العيد وليلتها، حين يتوافد المسلمون بسياراتهم من مختلف المدن المجاورة لقلة المساجد هناك.
ومن أجمل الذكريات، توافد أعداد غير قليلة من غير المسلمين للمركز واعتناقهم الإسلام فى هذا الشهر، أذكر شاباً أتى إليّ فى أول يوم من رمضان قبيل صلاة المغرب ليعلن إسلامه، وبعد حوار معه نطق الشهادتين، فقلت له مازحاً من شدة الجوع: «ألم يكن بإمكانك الانتظار قليلاً حتى أفطر؟ أنا جائع ومقبل على العشاء والتراويح!».

كيف كان شكل التعامل اليومى مع المجتمع الألمانى غير المسلم فى «جوتنجن»؟

الحقيقة أن الكثيرين هناك يعرفون قيمة هذا الشهر، بل ويحب بعضهم مشاركة المسلمين فرحتهم، حتى المحلات الألمانية أصبحت تهتم بتوفير المستلزمات الرمضانية كالفوانيس والتمور، بل إن مسئولى المدينة أنفسهم يشاركون الجالية إفطارهم؛ حيث تخصص المدينة يوماً فى أحد المراكز الإسلامية يجمع كل الطوائف والديانات والثقافات، فى تجسيد رائع لمعانى الاندماج والتعارف المجتمعي.

هل واجهتم مواقف أو قصصاً غير متوقعة خلال وجودكم هناك؟

نعم، وأكثرها إثارة للدهشة يأتى من غير المسلمين. ذات مرة فى مكتبة المدينة، حاورنى أحد المحاضرين عن أهمية رمضان، وذهلتُ من غزارة معلوماته عن الإسلام والمسلمين، فربما كان يعرف أكثر منى فى بعض الجوانب التاريخية، مما جعلنى أتساءل بلسان الحال: «لماذا لم يسلم هؤلاء بعد كل هذا العلم؟».

من واقع التواصل المباشر.. كيف ينظر المجتمع الألمانى إلى الإسلام؟

هذا يقودنا للإجابة عن سؤالى السابق، فالأمر يعود لنقاط أساسية أولاً الإعلام الذى يلعب دوراً محورياً فى تشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب ، ثانياً سلوكيات بعض المسلمين للأسف، تصرفات بعض العرب والمسلمين المسيئة فى المعاملات المالية والأخلاقية تعطى انطباعاً سلبياً ، ثالثاً التيارات المتطرفة ووجود فئة تكره كل ما هو غير ألمانى بغض النظر عن دينه.

لذا، نحتاج إلى عمل مستمر وإخلاص لإبراز الملامح الطيبة لديننا، مع التأكيد على أن هذا لا ينطبق على كل الألمان؛ فكثير منهم يقدر الإنسان كإنسان بعيداً عن عرقه أو دينه.

هل لاحظتم تغيراً فى هذه النظرة بعد التواصل المباشر معكم؟

الشعب الألمانى مثقف للغاية، وحين يجد الفهم الصحيح والوسطى للإسلام من خلال الاحتكاك المباشر، تلين قلوبهم وتلمس منهم كل ود واحترام.

وما أبرز المفاهيم الخاطئة التى لاحظتم انتشارها هناك؟

«الإسلامو فوبيا» هى التحدى الأكبر؛ فبسبب الآلة الإعلامية يتم تصوير الدين كمنبع للعنف، وهذا هو العبء الأكبر الذى يواجه أى داعية فى الغرب.

وكيف واجهتم هذه المفاهيم فى خطابكم الدعوي؟

نركز فى خطبنا وندواتنا على أن الإسلام دين «يسر لا عسر»، ومبنى على التيسير. كما نستغل المناسبات العامة، مثل «يوم وحدة ألمانيا» فى 3 أكتوبر، حيث يفتح المركز أبوابه للجميع، ونقيم حفلاتٍ دينية نوزع فيها الكتب والمصاحف المُترجمة ونعرفهم بالإسلام عبر الصور والمحاضرات البسيطة.

ما الفرق الذى تلمسونه بين رمضان فى مصر ورمضان فى «جوتنجن»؟

الفارق شاسع! كما يقولون «رمضان فى مصر حاجة تانية»، فمصر هى أم الدنيا ولأجوائها سحر خاص (فيها حاجة حلوة) ، أما فى ألمانيا، فرغم جمال الأجواء فى المركز الإسلامي، إلا أن الاحتفال يظل محصوراً داخل جدران المركز وفى الزيارات الميدانية المحدودة للجالية.

برأيكم.. ما الذى ينقص المسلمين فى الخارج للحفاظ على هويتهم؟

ينقصهم الكثير، وعلى رأس ذلك: اللغة العربية، الأبناء الذين يُولدون هناك يتحدثون الألمانية بطلاقة، وإذا لم يجدوا دعماً من الأسرة والمراكز الإسلامية، فسيضيع الرابط بينهم وبين القرآن الكريم والتربية الدينية الوسطية، نحن نبذل جهداً عبر مدرسة قرآنية أسبوعية، لكن الأمر يتطلب تضافراً أكبر للجهود.

وأخيراً..ما رسالتك للمؤسسات الدينية وللمسلمين فى مصر؟

رسالتى للمؤسسات الدينية هى زيادة الاهتمام بالمسلمين فى الخارج، فهم خط الدفاع الأول عن صورة الإسلام، ورسالتى للمسلمين فى مصر: قدّروا نعمة العيش فى مجتمع مسلم تسمعون فيه الأذان فى كل وقت، ولا تنسوا إخوانكم فى الخارج من صالح دعائكم فهم قابضون على دينهم ويستحقون كل الدعم والتقدير.