الأسواق العشوائية| قنابل موقوتة فى قلب القاهرة الكبرى

ملف الأسواق العشوائية
ملف الأسواق العشوائية


الخبراء: تراخى المحليات أكبر سبب لتفاقم الأزمة

5.4 مليون بائع متجول 

96% منهم بلا ترخيص 

اقتصاد موازٍ خارج السيطرة.. والدولة تخسر 114 مليار جنيه سنويًا

 

فى ظل الحرب التى انتصرت فيها الدولة على العشوائية مازال ملف الأسواق العشوائية من أخطر القنابل الموقوتة التى تهدد ملايين السكان يوميًا. فوفق تقديرات محلية، ينتشر فى مصر 5.4 مليون بائع جائل داخل 3425 سوقًا عشوائيًا على مستوى الجمهورية، يعمل 96% منهم دون ترخيص، بينما تبتلع هذه الأسواق الأرصفة والطرقات الحيوية فى مناطق مكتظة بالسكان، فتحوّلت شوارع كاملة إلى عنق زجاجة دائم.

اقرأ أيضًا| ‏‫نهاية العشوائيات الخطرة| بورسعيد.. أول محافظة خالية من الإسكان الخطر

ورغم أن هذه الأسواق تدرّ مبيعات تتجاوز 1.8 مليار جنيه شهريًا، بما يعكس قوتها الاقتصادية الهائلة، إلا أنها تتسبب فى الوقت نفسه فى خسائر سنوية تقدَّر بـ 114 مليار جنيه نتيجة الفوضى، وإهدار الطاقة، وتعطّل المرور، وغياب الرقابة، مع ضغطٍ مرهق على خدمات الأمن والإسعاف والمطافئ.

الأخطر أن هذه الأسواق ليست مجرد أزمة تنظيم، بل خطر حقيقى على الحياة. فقد أثبتت الكوارث القديمة أن التكدس والعشوائية هما البوابة الكبرى للحوادث:

■ حريق سوق التونسى الذى التهم عشرات المحال خلال دقائق.

■ حريق العتبة الذى امتدت نيرانه بسبب ضيق الشوارع وغياب مخارج الطوارئ.

■ كارثة صخرة الدويقة التى كشفت عجز سيارات الإسعاف والمطافئ عن الوصول وسط البناء المخالف والتكدس.

اليوم، تتكرر نفس الصورة فى مناطق مثل المناصرة المليئة بالأخشاب القابلة للاشتعال، ووكالة البلح، وباب الشعرية، والموسكي، والحرفيين… حيث يكفى شرارة صغيرة لبدء كارثة لا يمكن السيطرة عليها فى شوارع ضيقة ومتشابكة.

ومع غياب التنظيم وضعف السيطرة على الامتدادات العشوائية، تحولت هذه الأسواق إلى مسرح مفتوح للحوادث: اختناقات، مشادات، حرائق، وتوقف شبه كامل للحركة عند أى طارئ. ويجد السكان أنفسهم بين خوف دائم على بيوتهم وأطفالهم، وبين واقع يومى لا يملكون فيه إلا متابعة ما يجرى بلا قدرة حقيقية على الحماية أو التغيير.

هذا التحقيق لا يهدف فقط إلى عرض المشكلة، بل إلى دق ناقوس الخطر… فالعشوائيات ليست أزمة خدمات، بل أزمة حياة، وكوارثها - إذا لم تُواجَه - خطيرة.

فى انتظار الكارثة

يقول أحمد عبدالغني، أحد سكان شارع منصور بالمناصرة، إن المنطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى «منطقة ضغط يومى لا يُحتمل»، بسبب تكدس الباعة الجائلين وسيارات النقل الصغيرة. ويشير إلى أن الشارع يفقد قدرته على استيعاب حركة المارة بعد منتصف النهار، ما يجعل وقوع الحوادث «مسألة وقت مش احتمال». ويضيف: «الناس ماشية مترين فى متر، والعربيات بتحاول تزحف بالعافية، وبصراحة بقينا نخاف من حريق أو انهيار جزء من عمارة بسبب التحميل الزيادة والعشوائية». ويؤكد أن الأهالى طالبوا أكثر من مرة بتنظيم السوق أو نقله، لكن «المشكلة بتكبر أسرع من أى حلول ويضيف ان المكان اصبح عبارة عن مستودع كبير للأخشاب قابل للانفجار بما فيه من سكان فى اى لحظة بسبب ماس كهربائى او سيجارة مشتعلة وبالتالى فإننا نحمل على عاتقنا أرواحنا وأرواح أولادنا وندعو الله كل يوم ان يمر دون كارثة فالمشكلة ليست فى الزحام ولا فى الخنقة ولا الحوادث وإنما المشكلة فى انتظار الكارثة وزى ما قال أهالينا زمان: «وقوع البلاء ولا انتظاره»، أهو احنا بقى منتظرينه.

فوضى عارمة

أما منال صبحي، ربة منزل فتسكن بالقرب من منطقة وكالة البلح فأصبحت تخشى النزول من منزلها بعد الظهر بسبب «الفوضى العارمة» التى تسيطر على شوارع وكالة البلح، خاصة أيام المواسم. وتشير إلى أن مرور سيارات الإسعاف أو المطافى «مستحيل»، مما يجعل أى حريق أو كارثة محتملة «كارثة مضاعفة». وتضيف: «إحنا مش ضد رزق حد.. بس لازم يبقى فيه نظام. شارع واحد بيشيل آلاف الناس والبضاعة اللى واقفة فى نص الطريق». وتشرح أن القمامة المتراكمة واحتكاك الأسلاك الكهربائية بالأقمشة القابلة للاشتعال «قنبلة موقوتة».

اقرأ أيضًا| القضاء على جميع الأسواق العشوائية.. توجيه هام من الحكومة للمحافظات

لا مخازن آمنة

أما الحاج محسن فأوضح أن الموسكى أصبح واحدًا من أكثر الأسواق ازدحامًا فى القاهرة، لدرجة أن أصحاب المحلات أنفسهم يعانون مثل السكان. ويقول: «الزبون بيدخل بالعافية.. واللودر بتاع البضاعة ممكن ياخد ساعة عشان يقطع ٣٠ متر». ويؤكد أن المشكلة الكبرى هى «غياب المخارج الآمنة»، إذ إن الشوارع الضيقة والممرات المزدحمة قد تعيق عمليات الإنقاذ حال وقوع حريق أو انهيار عقار. ويضيف: «إحنا بنحب منطقتنا وعايزينها تعيش، لكن لازم خطة لإعادة تنظيم السوق مش مجرد حملات مؤقتة».

ويقول كريم فتحي، المقيم بجوار أحد شوارع الحرفيين، إن المنطقة أصبحت «مرتعًا للفوضى» مع انتشار الورش العشوائية وعرض قطع الغيار فى الشارع. ويؤكد أن الأهالى يعانون من «التلوث السمعى والبصري»، بجانب الحوادث المتكررة بسبب تكدس السيارات المتوقفة داخل الممرات. ويضيف: «الورش بتقفل نص الطريق، والعربيات بتقف فى النص التاني.. لو حصلت مصيبة محدش هيوصل لحد». ويشير إلى أن تسرب الزيوت والمواد القابلة للاشتعال يمثل خطرًا كبيرًا، خصوصًا فى الصيف.

زحام خانق

أما أم يوسف فتحكى أن باب الشعرية تغيّر كثيرًا: «زمان كان فيه زحمة بس مش زى دلوقتي.. دلوقتى بقى فيه اختناق حقيقي». وتوضح أن مداخل البيوت أصبحت مسرحًا لفرش الباعة، ما يعطل وصول السكان إلى منازلهم ويزيد من احتمالات الحرائق بسبب مواسير الغاز والأسلاك المكشوفة. وتقول: «إحنا بنخاف ننزل وبنخاف نطلع. أى شرارة ممكن تولع المنطقة كلها». وتطالب بسرعة تقنين أوضاع الباعة وإنشاء أماكن بديلة تحافظ على أرزاقهم دون الإضرار بالسكان لكن الوضع الحالى أصبح فيه ورشة تحت كل بيت وورش الاحذية بقت فى الشقق السكنية كمان ودا له مخاطر لا بد من مواجهتها.

مليارات مهدرة

من جانبه أعرب د.حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير البلديات الدولية، عن استيائه الشديد من استمرار إهمال ملف الباعة الجائلين والأسواق العشوائية من قِبل أغلب القيادات المحلية وعدد من رؤساء الأحياء، رغم خطورته على الاقتصاد والمشهد الحضاري. وقال إن التعامل مع هذا الملف يجب ألا يبدأ بالإزالة، بل بتوفير بديل معيشى كريم، سواء فى صورة أماكن مخصصة أو وظائف أو تسهيلات تساعد الباعة على الاستمرار بشكل قانونى ومنظّم، موجهًا التحية لمحافظى القاهرة والجيزة لبدء اتخاذ خطوات جادة فى هذا الاتجاه..

وأوضح عرفة أن ٩٦٪ من الباعة الجائلين يعملون دون تراخيص ويشغلون الأرصفة والطرقات بالمخالفة للقانون، مشيرًا إلى أن الحل لا يكمن فقط فى الحملات، بل فى تطبيق قانون الباعة الجائلين وتوفير بدائل حقيقية لهم، عبر إنشاء «باكيات» قانونية أو دمجهم فى القطاع الخاص بالتعاون مع القرى الصناعية والمشروعات الصغيرة..

وأضاف أن عدد الأسواق العشوائية فى مصر تجاوز ٣٤٢٥ سوقًا، تم إهمالها على مدى عقود طويلة، رغم أن الدولة بدأت بالفعل تطوير عدد منها، إلا أن «الكثير لا يزال خارج السيطرة». ودعا المحافظين إلى وضع برامج عاجلة لتطوير هذه الأسواق تشمل: تحسين البنية، جمع المخلفات، ضبط جودة المنتجات، وتنظيم العلاقة بين الباعة من خلال إنشاء نقابة رسمية تمثلهم. ولفت إلى أن عدم توفير أسواق رسمية بديلة يُهدر على الدولة ١١٤ مليار جنيه سنويًا فى صورة سرقة تيار كهربائي، وفقدان موارد إيجارية، وتداعيات فوضى الأسواق.

أسواق بديلة

وأكد عرفة أن بعض المحافظات لديها بالفعل أراضٍ مملوكة للدولة تصلح لإقامة أسواق بديلة، لكن «ينقصها فقط الجدية من بعض المسئولين المحليين». ودعا جميع المحافظين لتوجيه رؤساء الأحياء بسرعة تخصيص تلك الأماكن وتفعيل القانون.
وأشار إلى أن ملف الباعة الجائلين يمثل اقتصادًا موازيًا ضخمًا يحرك جانبًا مهمًا من التجارة الداخلية، لكنه يحتاج إلى تنظيم، موضحًا أن متوسط مبيعات الفرد الواحد يصل إلى 350 جنيهًا يوميًا، أى ما يعادل مليارا و800 مليون جنيه شهريًا داخل الأسواق العشوائية. ويبلغ عدد الباعة الجائلين -وفق تقديرات عرفة- نحو 5.4 مليون بائع فى 27 محافظة.

وشدد عرفة على ضرورة قيام مجلس المحافظين بتفعيل قانون الباعة الجائلين رقم 105 لسنة 2012، الذى ينص على عدم بيع أى سلعة دون الحصول على رخصة من الحى المختص، وتوقيع غرامة 500 جنيه وحبس شهر للمخالفة الأولى، ثم 5000 جنيه وحبس 6 أشهر عند التكرار. وأكد أن عدم تطبيق هذا القانون من قبل 27 محافظًا أدى إلى تفاقم الأزمة وتشويه المنظر الحضاري، وخلق فوضى مرورية كبيرة، ومنع حركة المواطنين فى ميادين وشوارع رئيسية.

الفساد الإدارى

أكد د.مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن انتشار الأسواق العشوائية فى عدد من المحافظات نتيجة مباشرة لما وصفه بـ«الفساد الإداري» المتجذر داخل بعض الإدارات المحلية، وهو ما سمح بتحوّل شوارع وميادين كاملة إلى أسواق غير مخططة، تنمو بسرعة لافتة دون أى رقابة حقيقية. وقال إن مصر تكاد تكون «الدولة الوحيدة التى يمكن أن تُقام فيها ثلاثة أو أربعة محلات صغيرة داخل شارع جانبي، ثم تتحول فجأة إلى سوق كامل يبتلع المنطقة».. وأشار بدرة إلى أن وسط القاهرة كان يضم عشرات المسارح والسينمات والمراكز الثقافية، لكن العشوائية تغلغلت فيه حتى أصبحت السمة الغالبة. وتساءل: «هل المسئولون فى الأحياء لا يعرفون ما يحدث؟ هل لا ينزلون إلى الشوارع ليروا حجم التكدس والفوضى؟ لماذا ننتظر تدخل رئيس الجمهورية بنفسه لإصدار قرارات بنقل أسواق مثل سوق الجلود من عين الصيرة أو الباعة الجائلين من ميدان رمسيس؟».

واستشهد الخبير الاقتصادى بـكارثة صخرة الدويقة، مؤكدًا أن أحد أهم أسباب تضاعف حجم المأساة كان عجز سيارات الإسعاف والمطافئ عن الوصول إلى الموقع بسبب البناء المخالف والعشوائية، وهو ما جعل الإنقاذ شبه مستحيل. وأضاف: «التسيب والإهمال هما أصل كل كارثة، وهذه المناطق أصبحت ذات جذور خطرة، ليس فقط على السكان، بل حتى على أى شخص يحاول الوصول لعمله أو يمر فى وقت طارئ».

مخاطر متزايدة

وحذر بدرة من المخاطر المتزايدة فى مواقع مكتظة بالبضائع القابلة للاشتعال، مثل مناطق الأخشاب الواقعة خلف مديرية الأمن، مؤكدًا أن أى حريق فى هذه المناطق «قد يتحول خلال دقائق إلى سيناريو كارثي». ولفت إلى وجود فنادق عالمية ومشروعات كبرى على بُعد خطوات من أسواق عشوائية مثل وكالة البلح، متسائلًا: «ليه نستنى لما تحصل الكارثة؟».

وشدد فى ختام حديثه على ضرورة نقل جميع الأسواق العشوائية والورش خارج الكتل السكنية، ووضع بدائل مخططة تحمى أرزاق الناس دون أن تشكل تهديدًا للسكان أو للممتلكات العامة، خاصة فى ظل المخاطر المتزايدة للحوادث والحرائق وصعوبة عمليات الإنقاذ داخل تلك المناطق.