الموريتانى أصغر حاصل على الدكتوراة فى تاريخ الأزهر: مصر دار علم وأحب بلاد الله إلّى بعد وطنى

د. عبد الرحمن النحوى ووالده مع د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف
د. عبد الرحمن النحوى ووالده مع د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف


يعتبر الدكتور عبد الرحمن النحوى أن تحقيقه لقب أصغر حاصل على الدكتوراة هو نتيجة استحضار نية أن كل دقيقة فى طلب العلم عبادة، وأن ذلك ببركة وفضل أسرته وعلى رأسهم والده الشيخ محمد الحافظ النحوي، تفيض كلماته بالامتنان للأزهر وإمامه الأكبر معبراً عن حبه لمصر حاضنة الجامع العريق بأنها دارُ علمٍ ووفاء، وموطنُ انتماءٍ روحيٍّ وثقافيّ، احتضنت رحلتى ووسّعت أفقها، فكانت أحبَّ بلاد الله إليّ بعد وطنى.. حوار يفيض بالمحبة والتقدير يلخص إنجاز باحث يمثل امتداداً للأصالة والوسطية.

اقرأ أيضًا | أحمد كريمة: الرجل من حقه الزواج بثانية دون علم الزوجة أولى


كيف كانت مسيرتك العلمية الأولى فى موريتانيا، وما الدور الذى لعبته الأسرة والوالد فى توجيه شغفك نحو العلم وتنشئتك فى هذه البيئة العلمية الأصيلة؟

- نشأتُ فى بيئةٍ شنقيطيةٍ فى قريتِى باب الفتح: وهى بيئةٌ تُعلى من شأن العلم حفظًا وتلقّيًا وسلوكًا، حيث يبدأ الطريق بحفظ القرآن والمتون، ويستمرّ بالمجالسة والمشافهة، وكان لأسرتي، -ولا سيما شيخى ووالدى سيدى الشَّيخ محمد الحافظ النحوى ووالدَتى، وعمتِى التى ربتنى-، أثرٌ بالغ فى توجيه الشغف نحو العلم؛ إذ غرسوا فينا معنى رسالة قريتنَا: «أساسها التقوى وطابعها الأخلاق الفاضلة»، وربطوا طلب العلم بالعبادة وخدمة الناس، فصار العلم عندى هويةً وجوديةً لا مجرّد تخصّصٍ دراسى.

ما الذى دفعك لاختيار جامعة الأزهر تحديداً لإكمال رحلتك العلمية، وكيف وجدت التفاعل بين الثقافة الموريتانية الغنية وبين المجتمع المصرى خلال رحلتك الأكاديمية؟

- اخترتُ الأزهر لأنه الامتداد الطبيعى للمدرسة العلمية التى نشأتُ فيها؛ جامعٌ بين أصالة النقل ورحابة العقل، وبين الفقه والتصوّف فى ميزانٍ واحد، وقد وجدتُ فى مصر احتضانًا كريمًا للوافدين، وتفاعُلًا ثريًّا بين العمق الشنقيطى والوسطية الأزهرية، فتكاملت التجربتان فى بناء رؤيةٍ علميةٍ أكثر شمولًا واتزانًا فى وجهةِ نظرى القاصر.

الحصول على الدكتوراة فى سن الـ 25 إنجاز استثنائى؛ كيف استطعت تنظيم وقتك وتركيزك بين التحصيل الأكاديمى والبحث العلمى فى هذه السن المبكرة؟

- لم يكن السرّ فى كثرة الساعات بقدر ما كان فى وضوح الغاية وبركة الطريق ودعواتِ الوالدَين والمشَايخ والانضباطُ اليوميّ، وتقليلُ الانشغال بما لا يخدم الهدف، وملازمةُ الكتب والمشايخ، مع استحضار النية بأن كل دقيقةٍ فى طلب العلم عبادة.

وبهذا كان ختم القرآن بالعشر لله الحمد، وكان حفظ كتب السنّة كلها من أكبر مراكز العلم فى مكة المكرمة، وكان التخرج من المحظرة الشنقيطية وحفظ جلّ متونها، وكان بحمد الله -ما شاء الله لا قوة إلا بالله- الدكتوراة فى الخامسة والعشرين من العمر، وغير ذلك من الدورات العلمية فى أعرق الجامعات العالمية، وتعلّم اللغات.

كلُّ ذلك كان بفضل الله نتيجة تنظيم الوقت، وقد كان الوالدُ دائماً يوصى بتنظيم الوقت.

كيف وفقت بين حياد البحث العلمى فى دراسة مناهج (سوربون وأكسفورد) وبين المرجعية الأزهرية عند نقد نظرية التطور فى رسالتك؟

- اعتمدتُ المنهجَ العلميَّ فى العرض والتحليل، ففصلتُ بين المعطى التجريبى والتأويل الفلسفي، المرجعية الأزهرية هنا لم تكن قيدًا على البحث، بل كانت إطارًا معرفيًّا يميّز بين ما هو علمٌ قابلٌ للنقاش، وما هو فلسفةٌ تحمل افتراضاتٍ ميتافيزيقية،فكان النقد موجَّهًا إلى التفسير الفلسفى لا إلى المنهج العلمى ذاته، ولم يكن ذلكَ مما تقف المنهجية الأزهرية دونه.

علمًا أن كثيرًا من مشايخى التقليديين كانوا يستغربون من هذا البحث؛ لأن نظرية داروين فى تصورهم أن أصل الإنسان قرد، ودور الأزهر أن يجعل طلابه من أبناء العصر وأن يعلمهم أن هذا ليس زمن الحكم بلا علم، بل هو زمن التمحيص والتدقيق، وليس زمان إهمال العلوم الطبيعية بل هو زمن إعمالها، والغريب عنها أقرب إلى الأمي.

فكان الحياد العلمى تحدياً -بين هؤلاء، وبين مناهج السوربون وأكسفورد التى تقدس التطور- أما المنهجية الأزهرية فكانت معينةً على الحياد.

هل يمكننا اليوم التمييز بين «التطور كعلم» و«الداروينية كفلسفة» لإنهاء الصراع التاريخى بين العلم والدين؟

- نعم، وهذا التمييز ضروريّ لفهم كثيرٍ من مظاهر الصراع المتوهَّم بين العلم والدين، فالتطوّر بوصفه بحثًا فى آليات التغيّر الحيوى مجالٌ علميّ كأى فرضية علمية لم تنضج بعدُ، أمّا الداروينية فحين تتحوّل إلى رؤيةٍ كونيةٍ شاملةٍ تُفسِّر الإنسان والوجود تفسيرًا ماديًّا صرفًا فذلك طرحٌ فلسفيّ لا يقبلُه متدينٌ ولا يؤمنُ به عاقل.

ما الذى يميز منهج الأزهر فى تدريس العلوم المختلفة عن غيره من المدارس، وماذا تمثل مصر «كنانة الله» للدكتور عبد الرحمن النحوى؟

- يمتاز الأزهر بالجمع بين العلوم دون قطيعة، وبتكوين العقل الحر الذى يختار بنفسه ما يرتضيه، وبالميزان الذى يحفظ النصّ ويحسن فهم الواقع، وبالوسطية التى تحمى من الإفراط والتفريط.

أمّا مصر فهى عندى دارُ علمٍ ووفاء، وموطنُ انتماءٍ روحيٍّ وثقافيّ، احتضنت رحلتى ووسّعت أفقها، فكانت أحبَّ بلاد الله إلىَّ بعد وطني، رغم أننى زرت عشرات الدول وعايشت عشرات المجتمعات وعرفت عشرات طلاب العلم، لكننى بحق إلى هذا اليوم لم أجد مثل مصر فى كل ذلك.

كيف كان شعورك وتأثير حضور الدكتور أسامة الأزهرى لمناقشتك، وماذا يمثل لك ولأبناء جيلك دعمه للشباب الباحثين؟

- علاقتى بمعالى الوزير الشيخ الدكتور أسامة -حفظه الله- علاقة قديمة، كان عظيم العناية بى منذ نزلت مصر، وكان لى والدًا وأخًا أكبر وأستاذًا وشيخًا، وقد قرأت عليه بحمد الله، وهو العالم الجليل الفخر الحبر الحافظ.

كان حضوره دعمًا معنويًا كبيرًا، ورسالة ثقة للشباب الباحثين -مهما اختلفت بلدانهم- بأن المؤسسات العلمية الكبرى ترى فيهم امتدادًا لمستقبلها.

ما الرسالة التى تود توجيهها لشيخ الأزهر اليوم كابن من أبناء الأزهر الوافدين؟

- رسالتى لسيدى ومولاى شيخ الإسلام فضيلة الإمام الأكبر فخر الملة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب ملؤها الامتنان والدعاء، مع رجاءٍ دائمٍ بمزيدٍ من رعاية المواهب العلمية -وذلك دأبه وتلك عادته حفظه الله- وتعزيز حضور الأزهر عالميًا بوصفه صوت الاعتدال والمعرفة الرشيدة.

بصفتك «أصغر دكتور»، ما نصيحتك للشباب فى سنك الذين يطمحون للتميز العلمى وسط مغريات وصخب العصر الرقمى؟

أوصيهم بصدق النية لله عز وجل، والصبر الطويل، والانضباط اليومى، والابتعاد عن ضجيج التفاهة الرقمية، وبناء مشروع علمى واضح يخدم العلم والدين والأمة.