فى اليوم الرابع من كل عام أستعيد ذكريات أيام الكفاح الأولى، فقد حدث فى الرابعة فجراً بمدينة ميلانو يناير۱۹١٩، أن كنت أسير وحيداً فى الشوارع التى تتناثر فيها أعمدة الكهرباء فترسل أنواراً خافتة، وكان القطار قد لفظنى عند محطة ميلانو، ولم أكن أعرف أحداً فى هذه المدينة الواسعة، سافرت لإيطاليا وأنا فى العشرين من عمرى لدراسة الفن والمسرح، استوقفت رجلاً لأسأله عن فندق متواضع أقضى فيه ليلتى، عرف الرجل أننى مصرى جئت لأدرس فن التمثيل فقدم لى نفسه باسم بتسوتو وعرفت أنه ميكانيكى فى مسرح ايدن بميلانو، وقال إنه على استعداد لمشاركته البيت الذى يسكن فيه مع زوجته وأولاده، وذهبت معه الى بيته واستقبلتنى زوجته بترحاب. وفى اليوم التالى اصطحبنى بتسوتو معه الى المسرح لأرى الحياة فيه، وكان «كانتوني» العظيم أكبر ممثل فى إيطاليا يعمل فى هذا المسرح، ذهبت مع بتسوتو وأنا فى غاية الشوق لرؤية كانتونى، ورُفع الستار فى تلك الليلة عن مسرحية «كرسى الاعتراف»، وشاهدت كانتونی على المسرح وهو يمثل بطريقة أذهلتنى، وتمنيت أن أكون تلميذاً فى مدرسته. أسدل الستار وسار كانتونى الى غرفته بالكواليس، كنت أنظر له كواحد من آلهة اليونان يسير على الأرض ! كان وجهه يتصبب عرقاً، اندفع نحوه أحد عمال المسرح بمنشفة ليجفف عرقه، ظللت أذهب للمسرح كل يوم، ولحسن حظى عرض علىّ حامل المنشفة أن أحملها بدلاً منه، واعتبر هذا فخاراً ما بعده فخار، الآن أستطيع أن أتحدث الى كانتونى الذى نظر لوجهى قائلاً : «يخيل الىّ أنك لست إيطالياً «، قلت له بتلعثم : «نعم أنا مصرى «، فقال : «مرحباً بالاجيبسيانو «، ولم أجد ما أقوله، فبادرنى متسائلاً : «هل تعمل هنا فى هذا المسرح «، فقلت : «جئت لأدرس الفن هنا، وأجد سعادة ما بعدها سعادة فى أن أكون دائماً بجوارك « !.
قلت كل هذه بلهجة أعتقد أنها حازت على إعجاب كانتونی بدليل أنه قال لى : « يسعدنى أن أمد يد المساعدة لمصرى «، وفى الليالى التالية كان كانتونى إذا طلب شيئاً أكون أنا من أحضره له، وكان يسأل دائماً : «أين الإجيبسيانو ... أريد الإجيبسيانو»، وأخذنى الى بيته وقدمنى لزوجته وقال لها : «إننا سنجعل من جوزيف - يقصد يوسف - ابناً لنا «، وأخذت زوجته تعاملنى كأم رءوم، ووعد كانتونى بمساعدتى لألتحق بمعهد «الكونسير افتوری فیلیو دراماتیكی « بميلانو، وكان لتوصيته أثر كبير فى التحاقى بالمعهد، وانتقلت من بيت بتسوتو إلى بیت كانتونی، وقد تأثرت بهذا الممثل العظيم الذى أشرف على دراستى وكان يسمعنى فصولاً طويلة عن تاريخ الفن وأصوله، وظللت فى ميلانو أتلقى العلم فى المعهد والمسرح معاً، وتطبعت بكانتونى فى كل شيء، صرت تلميذه وابنه الروحى، وحين ودعنى وأنا فى طريق العودة الى مصر وجدت فى عينيه وعينىْ زوجته دموع المحبة الصادقة، وعندما كونت فرقة «رمسيس « كانت مسرحية « كرسى الاعتراف» هى أول مسرحية قدمناها، وشاءت الصدفة أن يصل كانتونى مع زوجته إلى مصر فى ليلة افتتاح المسرحية، وشاهد كانتونى نجاح تلميذه .
يوسف وهبى
«الكواكب» - 3 يناير 1956

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







