أكتبُ هذه الكلمات وما زالت أصداء المناقشات الفكرية وصخب الممرات فى «مركز مصر للمعارض الدولية» تتردد فى وجدانى. لم يكن ذهابى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب لعام 2026 مجرد زيارة عابرة، بل كانت رحلة استقصاء معرفى تكررت خمس مرات متتالية هذا العام. وفى كل مرة، كنتُ أصطحبُ أسرتى لنعيش معاً هذا العرس الثقافى؛ حيث حضرنا الندوات الفكرية، وتجولنا بين أجنحة الدول ومراكز الأبحاث والدراسات، وراقبنا بعيون فخورة كيف تتحول الثقافة فى مصر إلى «فعل شعبى» بامتياز.
إلا أن هذا المشهد الحضارى المهيب، واجه فى الآونة الأخيرة بعض القراءات السلبية والتقارير المتحيزة، التى حاولت اختزال هذا المنجز فى كونه «زحاماً بشرياً»، بل وذهب البعض أبعد من ذلك بالتلويح بضرورة نقل مراكز الثقل الثقافى العربى واتحادات النشر بعيداً عن القاهرة.
قلاع الصحافة ومراكز الفكر
إن ما يغفل عنه هؤلاء المشككون هو أن المعرض تحول إلى «مطبخ للأفكار» العالمية ومحطة لتكريم النبوغ المصرى؛ حيث شهدت هذه الدورة حضوراً استثنائياً لمؤسساتنا الصحفية القومية التى أثبتت أنها قلاعٌ للفكر لا تغيب عنها الشمس. فقد لفت الأنظار الدور الحيوى الذى لعبته مؤسسة أخبار اليوم عبر تأسيس مركز دراسات متخصص أثبت حضوراً قوياً على هامش الفعاليات، ليقدم تحليلات رصينة تواكب المتغيرات العالمية. كما سجلت مؤسسة الأهرام العريقة حضوراً طاغياً وهى تحتفى بمرور 150 عاماً على تأسيسها، حيث قدم مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية من خلال جناحه وندواته زاداً فكرياً يؤكد أن العقل المصرى يظل هو المرجعية الأولى فى المنطقة.
نماذج مضيئة.. على سبيل المثال لا الحصر
وفى أروقة المعرض، برزت نماذج تؤكد عمق الريادة المصرية:
- «بيت الحكمة» وأحمد السعيد: ذلك الجسر المعرفى الذى يربط القاهرة ببكين، حيث كانت ندوة كتاب «الصين من الداخل» للدكتور أحمد السعيد كشافاً استراتيجياً، وقد توجت الدار بجائزة «أفضل ناشر عربى» لعام 2026.
- أسامة السعيد و«حروب الشاشات»: حيث فكك الدكتور أسامة السعيد، رئيس تحرير الأخبار، ببراعة استراتيجيات الإعلام الدولى، مؤكداً أن معرض القاهرة يصيغ الوعى ويحلل الواقع برؤية ثاقبة.
- رامى أحمد ونبض الإبداع الشبابى: من خلال روايته «كل شيء كأن» التى أثبتت أن اهتمامات الشباب المصرى تتوق للأدب الرفيع، مما يؤكد أن المستقبل الإبداعى فى أيدٍ أمينة.
ملحمة الأقاليم.. عرسُ الهوية
ولعل أبلغ رد على من يصفون المعرض بـ «الخروجة» هو مشهد مئات السيارات والحافلات القادمة من أقاصى الأقاليم والمحافظات، محملة بآلاف الكبار والشباب والصغار. هؤلاء لم يأتوا للتنزه، بل جاءوا فى «هجرة سنوية» نحو المعرفة. إن رؤية الأطفال وهم يتلمسون الأغلفة ويتعلمون للمرة الأولى قيمة الكتاب هى المشهد الأسمى؛ فنحن جميعاً تربينا على هذه الزيارات السنوية منذ طفولتنا، وهى التى شكلت وجداننا وانتماءنا. المعرض هو المكان الذى يتعلم فيه الطفل المصرى أن «الكتاب» هو الصديق الأوفى، وأن الوطن الذى يقرأ هو وطنٌ لا يُقهر.
الريادة استحقاق تفرضه الأرقام
نعلم جيداً أن الأرقام لا تكذب ولا تتجمل وفى نفس الوقت نجد التلميحات التى تتردد عن نقل «اتحاد الناشرين العرب» والتى تصطدم بصخرة الواقع؛ فبينما كان البعض يحلل ببرود، كانت القاهرة تستقبل رقماً قياسياً تجاوز 6 ملايين زائر، بمشاركة 1457 دار نشر من 83 دولة. كما جاءت نتائج انتخابات اتحاد الناشرين العرب لتجدد الثقة فى القيادة المصرية برئاسة الأستاذ محمد رشاد، مؤكدة أن «الشرعية الثقافية» تظل استحقاقاً تمنحه القاهرة ولا يُنتزع منها.
إن نجاح معرض القاهرة 2026 هو انتصار لوعى المواطن المصرى، والرد البليغ على كل محاولات التشكيك. ستظل القاهرة هى الحاضنة الأولى للإبداع العربى، وسيبقى معرضها هو «البوصلة» التى يسترشد بها كل باحث عن التنوير، مؤكدةً أن الريادة ليست مجرد تاريخ، بل هى حاضر يصنعه كل طفل أمسك بكتاب، وكل شاب حضر ندوة، وكل أسرة آمنت بأن المعرفة هى الطريق الوحيد نحو المستقبل.
عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







