نادية لطفي صحفية في زمن الحرب.. حكاية دور منسي خلف الكاميرا

نادية لطفي
نادية لطفي


ليست نادية لطفي مجرد اسم محفور في ذاكرة السينما المصرية، ولا وجه أنيق ارتبط بأدوار رومانسية أو وطنية فحسب، بل كانت فى لحظة فارقة من تاريخ مصر الاجتماعى والثقافى تمثل حضورًا نادرًا فى قلب المعركة، وصوتًا يكتب من موقع الشاهد لا المتفرج وفى ذكرى رحيلها نستعيد منطقة شبه منسية من مسيرتها، حين انتقلت من أمام الكاميرا إلى خلف الورق، ومن أضواء الأستوديو إلى وهج الجبهة.

في صيف 1969 وبين أخبار الجبهة وبيانات القتال التفتت مجلة «آخرساعة» إلى واقعة بدت صغيرة فى ظاهرها، لكنها حملت دلالة كبيرة على تحولات دور الفنان فى زمن الحرب. ففى عددها الصادر منتصف ذلك العام، نشرت المجلة خبرًا مقتضبًا، بلا صخب أو تعليق مطوّل، أقرب إلى البرقية الصحفية، مكتفية بتسجيل الواقعة كما هى، وكأنها تضع حجر الأساس لقصة لم تكن فصولها قد اكتملت بعد.

◄ اقرأ أيضًا | في ذكرى وفاة «بولا» جميلة الجميلات| نادية لطفي.. ملاك السينما المصرية

جاء خبر «نادية لطفى صحفية» فى مربع خبرى صغير، محاط بإطار رفيع، ومدسوس بين أخبار الوسط الفنى على صفحة داخلية مزدحمة بالعناوين القصيرة والصور السريعة. لم يُمنح الخبر عنوانًا عريضًا، ولا صورة مرافقة، ولم تُرفق به أى تعليقات تحريرية، فى تقليد صحفى شائع آنذاك، يكتفى بتسجيل الواقعة ويترك للقارئ تقدير أهميتها.

نشرت المجلة الخبر بالنص التالى: «عملت الفنانة نادية لطفى فى الأسبوع الماضى صحفية، أخذت تتصل بزملائها الفنانين والفنانات فى التليفون وتسألهم عن آخر الأخبار، ثم قامت بتحرير صفحتين كاملتين فى إحدى المجلات تحت اسم «الفن فى المعركة»، ورفضت نادية مساعدة بعض الصحفيين، وقالت إنها تفضل الاعتماد على نفسها فى تحرير الصفحتين».

وبهذا السطر القصير سجلت «آخرساعة» سبقًا مهنيًا خالصًا، لم تكن قيمته فى حجمه، بل فى توقيته ودلالته، فقد نُشر الخبر بتحفظ واضح، من دون ذكر اسم المجلة الأخرى، التى سيتضح لاحقًا أنها مجلة الكواكب فى عددها الصادر بتاريخ 9 يوليو 1969، وهو ما جعل المعلومة، وقتها، أشبه بإشارة ذكية لقرّاء يعرفون كيف يلتقطون ما بين السطور.

وخلال الأسابيع التالية بدأت الصورة تتكشف تدريجيًا. فالتجربة لم تكن نزوة عابرة لفنانة قررت أن تجرّب الكتابة، بل مشروعًا صحفيًا مكتمل الملامح، سرعان ما لفت أنظار الوسط الثقافى، وأكد أن ما رصدته «آخرساعة» لم يكن استثناءً، بل بداية لمسار مختلف، اختارت فيه نادية لطفى أن تكون شاهدة بالقلم، لا مجرد مشاركة بالزيارة أو الصورة التذكارية.

لم تكن نادية لطفى ضيفة عابرة على الجبهة فقد وصفها الشاعر صالح جودت بأنها «تعيش المعركة أكثر من أى فنانة أخرى»، تذهب مع كل فوج، وتلبى كل نداء، وتترك ابتسامتها مطبوعة على الرمال أمام الجنود. امتد حضورها من بورسعيد إلى السويس والإسماعيلية، ورافقته مبادرات لدعم أسر المجندين، من دون ضجيج أو تصريحات.

اختارت نادية لطفى لنفسها زاوية متواضعة فى نهاية الصفحة الأخيرة من الكواكب، حملت عنوان «همسة»، لكنها جاءت محمّلة بلغة أدبية رفيعة، تعكس ما رأته بعينيها على خطوط المواجهة. وفى عدد 15 يوليو 1969، كتبت عن الجنود بلغة تعجز الكلمات نفسها عن احتوائها، مؤكدة أن القواميس تضيق أمام صمود الرجال.

وسط سيل خطابات الإعجاب التى كانت تصل إلى نجوم الفن جاء خطاب مختلف من جندى يؤدى واجبه على الجبهة، اسمه خيرى بدوى أحمد. نُشر الخطاب فى الكواكب بتاريخ 3 سبتمبر 1969، وتحول إلى واحدة من أهم وثائق تلك التجربة الوطنية، لما حمله من صدق إنسانى نادر، وتأثر عميق بزيارة نادية لطفى وكتاباتها، لا بوصفها فنانة، بل أختًا وأمًا ورمزًا.

توقف الجندى عند «همسة» كتبتها نادية عن إصابة ابنها الوحيد أحمد، ودهشته من أم تتمنى لابنها شرف أداء الواجب الوطنى، من دون دموع أو شكوى، معتبرًا ذلك قمة الإيمان بالوطن.

تثبت تجربة نادية لطفى الصحفية أن المعركة لم تكن شأن الجنود وحدهم، بل مسئولية مجتمع كامل، وأن الكلمة، والريشة، والأغنية، والمشهد السينمائى، يمكن أن تكون فى الصف الأول، تمامًا كما كانت نادية لطفى: فنانة، وكاتبة، وشاهدة على زمن لا يُنسى.