فى وقت تتجه فيه الأنظار إلى الإنجازات الأثرية الكبرى وافتتاح الصروح الثقافية الجديدة على أرض مصر تعود مطرقة المزادات فى العواصم الغربية لتذكرنا بنزيف مستمر لإرث الأجداد، ففى لندن وتحديدًا داخل قاعات دار "كريستيز" الشهيرة هبطت المطرقة معلنة انتقال ملكية واحد من أندر التماثيل الثنائية العائدة إلى عصر الدولة القديمة، وهو تمثال نِب إف وى وزوجته امِس ساتب مقابل 3.71 مليون جنيه إسترلينى، بعد أن ظل هذا الأثر الفريد بعيدًا عن الأنظار داخل القصور البريطانية لأكثر من قرنين ونصف القرن.
القصة ليست مجرد صفقة تجارية، بل رحلة تاريخية تثير الحزن والدهشة معًا، فالتمثال المنحوت من الحجر الجيرى النقى، والذى يعود إلى الأسرة الخامسة (2400 - 2300 قبل الميلاد) خرج من مقابر النخبة فى منف، وتحمل نقوشه الهيروغليفية الكاملة اسم الابن مِح إير نفر الذى أهدى هذا النصب تخليدًا لذكرى والديه.
وتشير وثائق المزاد إلى أن التمثال انتقل خلال القرن الثامن عشر عبر شبكات الدبلوماسية العثمانية إلى السير جيمس بورتر السفير البريطانى لدى الدولة العثمانية بين عامى 1747 و1762، قبل أن يهديه إلى الملك جورج الثالث، ثم ينتقل إلى توماس ورسلى عام 1778 ليستقر فى قصر اهوفينجهام هولب بمقاطعة يوركشاير حتى بيعه مؤخرًا.
وفى حوار خاص أجرته منصة متاحف ماكسويل مع هانا سولومون الرئيسة الدولية لقسم الآثار فى دار "كريستيز" بنيويورك كشفت المسئولة عن الصفقة تفاصيل مثيرة حول تاريخ القطعة، وآليات التحقق من ملكيتها، ورؤيتها لسوق الآثار العالمية، وفيما يلى نص الحوار:

بدايــةً.. مــا الـذى يجعـل هـــذا التمـثال مميزًا إلى هذه الدرجة؟
ـ هذا التمثال الثنائى استثنائى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو يجسد ذروة الفن النحتى والمودة الإنسانية خلال عصر الدولة القديمة، التمثال يصور "نِب إف وي" وزوجته "مِس سات" وهما من نخبة مدينة منف أول عاصمة موحدة لمصر، ويظهران فى وضع عائلى حميم ونادر فى أعمال تلك الفترة، وقد نُحت التمثال من الحجر الجيرى ليُوضع داخل مقبرة من طراز المصطبة، بينما تكمن فرادته الحقيقية فى الجمع بين الحجم الكبير والإتقان الفنى، والنصوص الهيروغليفية الكاملة التى لا تقتصر على ذكر الزوجين، بل تشمل ابنهما "مِح إير نفر"، الذى أقام هذا الأثر تخليدًا لوالديه.
إننا أمام عمل يجمع بين الصورة الشخصية والنصب التذكارى فى آن واحد.
إذن نحن أمام قطعة نادرة للغاية؟
ـ بالتأكيد، لم يبقَ من التماثيل الثنائية العائدة إلى عصر الدولة القديمة سوى عدد محدود للغاية، والقليل منها فقط احتفظ بهذا المستوى من الجودة والحالة الممتازة، أما فى المجموعات الخاصة، فالقطع المماثلة يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة، معظم الأعمال المشابهة محفوظة فى مؤسسات كبرى، مثل المتحف المصرى بالتحرير أو متحف المتروبوليتان للفنون فى نيويورك. وما يميز هذا التمــثال تحــديدًا اكتمــال التكـويـنين الجســـديين والطابع الإنسانى للعلاقة بين الزوجين، والنقوش الكاملة التى بقيت سليمة حتى اليوم.
ما سر هذا الحفظ الاستثنائى طوال آلاف السنين؟
ـ يعود ذلك جزئيًا إلى حسن الحظ الذى أنقذ القطعة من التلف منذ العصور القديمة، إضافة إلى العناية الكبيرة التى حظيت بها لدى ملاكها خلال تاريخها الحديث، فقد انتقلت من السير جيمس بورتر إلى الملك جورج الثالث، ثم إلى توماس ورسلى الذى احتفظ بها فى قصر هوفينجهام هول حتى وصولها إلى كريستيز. وكان ورسلى مولعًا بالعالم القديم، ويتجلى ذلك فى تصميم قصره على الطراز البالاديانى بين عامى 1750 و1770، متأثرًا برحلاته إلى فلورنسا.
كيف وصلت هذه القطعة إلى بريطانيا أصلًا؟
ـ شغل السير جيمس بورتر منصب السفير البريطانى لدى الدولة العثمانية بين عامى 1747 و1762، وهو موقع أتاح له الانخراط فى حركة التبادل الثقافى والدبلوماسى فى شرق المتوسط، فى تلك الفترة كانت القطع الأثرية تنتقل إلى أوروبـــا عـــبر شــبكات الإهـــداءات الدبلومـاسـية وجمع المقتنيات فى الأراضى الخاضعة للسيطرة العثمانية، ورغم عدم قدرتنا على إعادة بناء كل تفاصيل الرحلة فإن المؤكد أن التمثال كان يُنظر إليه باعتباره قطعة ذات قيمة استثنائية منذ وصوله إلى بريطانيا، ما يجعله من أوائل المنحوتات المصرية التى دخلت البلاد.
ولماذا أُهدى التمثال إلى الملك جورج الثالث تحديدًا؟
ـ كان ذلك جزءًا من الأعراف الدبلوماسية السائدة آنذاك، حيث تُقدَّم القطع الثقافية والتاريخية الثمينة إلى التاج البريطانى، وكان جورج الثالث معروفًا باهتمامه بالآثار والتاريخ الطبيعى، ولذلك ضُمّت هذه القطعة إلى المجموعات الملكية فى قصر وندسور قبل أن يهديها لاحقًا إلى توماس ورسلى، وهو ما يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية بين النخب فى القرن الثامن عشر.
كيف تتحققون من تاريخ ملكية قطعة بهذا التعقيد؟
ـ نعتمد على تجميع عدد كبير من الأدلة، وليس على وثيقة واحدة فقط، نبدأ بالقطعة نفسها، من خلال دراسة النقوش والحالة الفنية وأى علامات قديمة عليها، ثم ننتقل إلى الوثائق الأرشيفية والسجلات العائلية والمراسلات والمطبوعات التاريخية، وفى هذه الحالة كانت أرشيفات هوفينجهام هول حاسمة، لأن التمثال موثق فيها منذ عام 1778. إنها عملية دقيقة تتطلب تعاونًا بين الأثريين والمتخصصين للوصول إلى رواية تاريخية متماسكة.
كيف وصلت القطعة إلى دار كريستيز؟
ـ غالبًا ما تبدأ الأمور فى هدوء، من خلال علاقات طويلة مع العائلات التى تحتفظ بهذه المجموعات عبر الأجيال، فى هذه الحالة لم يكن الأمر اكتشافًا جديدًا، بل اختيار للتوقيت المناسب لإدارة عملية البيع، وبعد إيداع القطعة نخضعها لفحص قانونى شامل، وبحوث أكاديمية دقيقة، وتقييم لحالتها، ثم نحدد أفضل سياق عالمى لعرضها وتسويقها.
هل كان الطلب الدولى على هذه القطعة كبيرًا؟
ـ بلا شك فالاهتمام بمثل هذه الأعمال يكون عالميًا، سواء من جانب المتاحف أو كبار جامعى المقتنيات الخاصة، منحوتات الدولة القديمة بهذه الجودة نادرة للغاية، ولذلك يكون التفاعل معها فوريًا وعلى نطاق دولى واسع.
ما "أسبوع الكلاسيكيات" الذى بيعت خلاله القطعة؟
ـ يُعد "أسبوع الكلاسيكيات" أحد أهم الأحداث السنوية فى كريستيز بلندن، ويُقام مرتين كل عام، ويضم مزادات ومعارض للآثار ولوحات كبار الفنانين، والكتب النادرة، والمخطوطات، والروائع الفنية العابرة للثقافات، إنه منصة رئيسية للأعمال ذات القيمة المتحفية والمجموعات الخاصة المهمة.
كيف ترين وضع سوق الآثار عالميًا اليوم؟
ـ السوق انتقائية للغاية، لكنها قوية ومرنة فى الوقت نفسه، القطع ذات الملكية الموثقة والجودة المتحفية والتى تظهر لأول مرة فى الأسواق تحظى بمنافسة عالمية كبيرة، كما أن الاهتمام اليوم أصبح يركز على القيمة التاريخية أكثر من الجاذبية الزخرفية وحدها.
هل تعملون بشكل وثيق مع المتاحف؟
ـ بالتأكيد، لدينا علاقات مستمرة مع أمناء المتاحف والمؤسسات الثقافية حول العالم، سواء فى مجالات البحث الأكاديمى أو دراسة تاريخ الملكية أو فرص الاستحواذ، وفى كثير من الأحيان تنتهى القطع التى نتعامل معها داخل مجموعات عامة أو متاحف وطنية، سواء عبر الشراء أو الإعارة أو التبرع.
هل ما زالت هناك آثار مذهلة مخبأة داخل مجموعات خاصة لا يعرف عنها أحد شيئًا؟
ـ نعم، وهذا أحد أكثر الجوانب إثارة فى هذا المجال بالنسبة لى، هناك قطع ظلت فى حوزة عائلات لأجيال طويلة، وكان يُعتقد أنها لن تخرج إلى العلـن أبـدًا، وفى بعض الأحيان تظهر فجأة أعمــال استثنائية حقيقـية، فتُعــيد إحـياء الحوار الأكاديمى والثقافى من جديد، وكأننا أمام عملية اكتشاف جديدة.
أخيرًا.. كيف يكون شعورك عندما تهبط المطرقة معلنة إتمام البيع؟
ـ إنه مزيج من التركيز الشديد وتدفق الأدرينالين. أثناء المزاد تكون منشغلًا بالكامل بإيقاع القاعة وحركة الأرقام والمزايدين، وعندما تهبط المطرقة تشعر للحظة بأن الزمن توقف، وأسعد لأن العمل الفنى وجد مكانًا جديدًا يحافظ عليه، ولأن البائع حقق النتيجة التى كان ينتظرها، لكنك فى الوقت نفسه تكون قد كرست سنوات من الجهد لهذه القطعة، لينتهى كل شىء فى لحظة واحدة قبل الانتقال إلى التحدى التالى.
اقرأ أيضا:

صلاح عبدالله: حسام حسن أعاد كرامة الكرة المصرية| حوار
محمد فراج: أخشى التكرار أكثر من الفشل| حوار
20 لوحة تنطلق من روعة التراث





