بينما تشيّد دول العالم أسوارًا تشريعية صارمة لتحصين أطفالها من مخاطر المحتوى الضار والمتطرف على وسائل التواصل الاجتماعى، يظل أطفالنا فى الفضاء الرقمى بلا حماية ولا حارس، فريسة سهلة للتحرش والاستدراج عبر الألعاب الإلكترونية، ومعرضين لسرقة هوياتهم فى عالم لا يعترف بضعفهم.
وفى الوقت الذى تحظر فيه الولايات المتحدة وصول الأطفال إلى المنصات الرقمية قبل سن السادسة عشرة، ويتجه البرلمان الفرنسى ومعظم الدول الأوروبية إلى تجريم امتلاك القاصرين لحسابات على وسائل التواصل فى مسار قانونى حازم، تفتقد مصر حتى الآن إلى إطار تشريعى واضح يحمى براءة الصغار من السقوط فى براثن العالم الافتراضى.
بيانات المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية تكشف عن أرقام وإحصاءات مقلقة، إذ يبدأ 35% من الأطفال المصريين استخدام الفضاء الرقمى قبل سن العاشرة، بينما يتعامل 78% من المراهقين مع منصة واحدة على الأقل من منصات التواصل الاجتماعي. كما أن التشريعات القائمة لا تمنع طفلا فى الخامسة من العمر، بمجرد تزوير تاريخ ميلاده، من اقتحام جميع المنصات الرقمية، ليترك وحيدا فى فضاء لا يملك أدوات النجاة.
الكارثة الكبرى أن دراسات علمية أجرتها العديد من مراكز وجامعات غربية عريقة أكدت وجود ارتباط وثيق بين إدمان منصات التواصل وتصاعد معدلات الاكتئاب والقلق والتنمر الإلكترونى بين المراهقين، إلى جانب آثارها المدمرة على النمو المعرفى والاجتماعى للطفل.
لسنا بحاجة إلى دراسات غربية لندرك خطر الواقع الافتراضي، فقد تحولت التحذيرات النظرية إلى جرائم مروعة. ألم تصدمنا جريمة طفل الإسماعيلية الذى قتل زميله وقطعه بمنشار كهربائى بسبب نزاع على هاتف محمول؟
هذه الجريمة البشعة جرس إنذار وصرخة للمجتمع تكشف كيف يمكن أن يتحول العالم الرقمى إلى ساحة لصناعة المجرمين. الفراغ التشريعى الذى نعانيه فى هذا المجال يعد ثغرة مفتوحة فى جدار أمننا القومي، وحربا صامتة مدمرة تشن على مستقبل مصر.
فلا يعقل أن نترك عقول أجيال كاملة عرضة للتشويه والاختطاف، وأن نعتمد فى هذه الحرب الشرسة على سلاح الرقابة الأسرية الهش، بينما تتراجع الدولة عن دورها الحاسم. نحن بحاجة إلى قانون صارم يرسم حدود العالم الرقمي، ويلزم الشركات العابرة للقارات باحترام براءة أطفالنا. فالحماية لا تكون فعالة إلا حين يتحول القانون من نص جامد إلى درع وطني... وحارس يقظ يقف على بوابة المستقبل.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







