وجدانيات

التدين بين الشكل والمضمون

محمد درويش
محمد درويش


يحرص الكثيرون على أن يبادرك بتحية «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» عندما يبادرك بالرد على اتصالك به هاتفيًا أو حتى لو كان هو المتصل، بل قد يراسلك على تطبيق «واتس آب» ويبدأ بها مجردة قبل أن يدلف إلى الموضوع الذى يريد أو التحدث بشأنه، وصل الأمر بالبعض إلى أن يطالب بالإكرامية أو الرشوة المقنعة فى سبيل خدمة أداها بحكم طبيعة عمله وتفاجأ على الواتس الذى ترسل صورة إتمام التحويل المبلغ إليه أنه وضع شعارًا هو الآية القرآنية «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ».

يظهر أصحاب العروض من مختلف المنتجات أو الخدمات على تطبيقات التواصل الاجتماعى وهم يحثونك على الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله «» إيعازًا منه أنه يراعى ربه فيما يعرض جودة وسعرًا رغم أن معظمهم لا يتوارى عن الترويج لبضاعة رديئة وأسعار فلكية، يأتى إليك «الصنايعى» من هؤلاء وقد ترك لحيته وحف شاربه وزبيبة الصلاة تحتل منتصف جبهته وتجده - إلا من رحم ربى- أبعد ما يكون عمّا أمر به الدين من إتقان العمل والأجرة المقبولة، يتفنن الكثيرون فى غش قطع غيار كل ما يخطر على بالك، بل ويعرضها بسعر مقارب للقطعة الأصلية حتى لا يتسرب الشك فى جودتها، يعتمدون أن الزبون يبحث دائمًا عن الرخيص وهو فى النهاية الأغلى عندما تضطر إلى استبداله ربما فور استعماله لأنه لا رقيب ولا حسيب فأسواقنا تعج بهذه النماذج حتى فى سوق الدواء الذى قد يبيع من يحتاجه شيئًا وربما يمد يده للناس من أجل الحصول عليه.

قانون الغش تتساوى أمامه غش كوب اللبن كما تُغش علبة الدواء. تشريعات قاصرة عن محاصرة هؤلاء الذين انتشروا كالنار فى الهشيم ولا تعرف من الغشاش ومن منعدم الضمير.

حال أصبحنا نعيش فيه ولخصه الصديق اللواء ياسر هاشم فى هذه الكلمات المنمقات التى وضعتنا تحت المجهر وأرجو أن تكون جرس إنذار لكل من غرته الحياة الدنيا وزينتها، وإليكم سطوره:

رأيت فى القرآن

إن هناك دعاء ونداء لله بلا جدوى.. وإن هناك صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر وصلاة ما هى إلا مكاء وتصدية.. وهناك من يعترفون بالله لكن بلا أثر.. وهناك من يشهدون بالرسول لكنها كذبوا على أنفسهم.. وهناك من ظنوا أنهم مصلحون بينما هم مفسدون... وإن هناك من يتبع الهوى والظن والآباء والناعقين فيضلوا.. وهناك من يكذبون ولكن لا يشعرون.. وهناك من يؤمن بالوحى لكن تزيغ قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه.. كل هؤلاء يؤدون الفعل نفسه تقريبًا يتشابهون فى الشكل والمظهر والطقوس وحتى فى الرغبة فى أن يكونوا مؤمنين.. كل هذا لا يعنى وحده الحقيقة، ولا يكشف الإيمان الحقيقى.

يقدم القرآن معاييره الحاسمة للإيمان: الإخلاص فى الوجهة، والاستقامة عبر الزمن، والأثر الطيب والأخلاقى، وتحول القول إلى التزام عملى. فالصلاة يجب أن تنعكس سلوكًا، والنسك لا تُقاس قيمته بذاته بل بما ينتجه من تقوى، والشهادة والاعتراف لا يكفيان إذا بقيا لفظًا بلا أثر.

هكذا يعيد القرآن تعريف التدين لا بوصفه هوية اجتماعية أو طقسًا موروثًا، بل علاقة واعية ومسارًا أخلاقيًا مستمرًا. وهو لا يمنح الإنسان ميزانًا لمحاكمة الآخرين، بل أداة لمراجعة نفسه: هل ما نمارسه استمرار لما ورثناه، أم استجابة لمعنى فهمناه واخترناه؟ هنا، بين تشابه الطقوس واختلاف الحقائق، يرسم القرآن خطه الفاصل بين المظهر والإيمان الحى.