بقلم:محمد سليم شوشة
يمكن القول باطمئنان كبير أن الطب فى مصر لم ينقطع أبداً، حتى وإن مرّ بمراحل من التأخر أو الجمود
من المهم فى هذه السياقات الراهنة أن تترسخ قيمة العلم والبحث العلمى والإيمان بالحضارة بشقيها المادى والإنسانى. ومن هنا يمكن أن يكون للإعلام دور عظيم فى ترسيخ هذه القيم. ومن هنا كان استقبالى لحلقة عظيمة جداً من برنامج معكم لمنى الشاذلى على قناة أون من أيام قليلة، استضافت فيه الرمز المصرى العظيم البروفيسور مجدى يعقوب، رائد جراحة القلب ونقل الأعضاء فى العالم، صاحب الأرقام القياسية فى عدد جراحات القلب والأبحاث العلمية المتصلة بها، فضلاً عن دوره الرائد فى الرعاية الصحية فى مصر، عبر تأسيس مركز مجدى يعقوب لجراحة القلب فى أسوان، ليكون عبر كل هذا النشاط مكرساً لقيم العلم والانتصار للإنسان، وتحدى المرض والضعف.
لكن ربما يكون أهم ما لفت نظرى فى هذا اللقاء هو سؤال حول البواعث أو المصادر التى استلهم منها أهم توجهاته وقيمه التى عاش بها ومارس فى ضوئها حياته العلمية. حين ذكر أنه اقتنع تماماً بهذه الفلسفة المجانية التى يتم تطبيقها فى مركزه فى أسوان، لتحكم هذه المجانية علاقة الطبيب بالمريض، سواء كان فقيراً أو غنياً. حين سُئل عن مصدر هذه القناعة وتلك الفلسفة، ذكر ضمناً مصدرين هما منبع الإلهام والرؤية وقناعات البروفيسور العظيم، الأول هو والده حبيب يعقوب، الطبيب المصرى الأصيل ابن طب مدرسة الطب المصرية، التى لا يبدأ تاريخها بتجدد مدرسة الطب المصرى مرة أخرى فى العصر الحديث، متمثلة فى قصر العينى، ثم طب عين شمس بعدها بمدة، إذ يمكن القول باطمئنان كبير أن الطب فى مصر لم ينقطع أبداً، حتى وإن مرّ بمراحل من التأخر أو الجمود، واحتاج إلى تجدد ذاتى من الداخل، أو تجديد بأيدى وافدين أو عقول من الخارج مثل كلوت بك. فالواقع أن الطب فى مصر هو أقدم مدرسة للطب فى العالم، وصاحب الإنجازات الإعجازية التى ظل بعضها مدهشاً وغريباً حتى اليوم، مثل: التحنيط أو الأطراف الصناعية أو وصفات الأدوية والعمليات الجراحية. وفى العصرين القبطى والإسلامى ظلت مدرسة الطب ممتدة لدينا، وفى أقرب العصور مثل: المملوكى والعثمانى، تمثلت فى البيمارستانات الكثيرة التى ظلت شواهدها وآثارها باقية حتى الآن. والواقع أن حرق مكتبة الإسكندرية قديماً، وإتلاف آلاف وربما ملايين البرديات فى العصر الرومانى. لكن المدهش هنا بعد كل هذه الآلاف من السنين، أن قيم العلم والطب والحضارة ظلت باقية متجسدة فى روح الإنسان المصرى العبقرى ذهناً وحرفة. أى عقلاً نظرياً وممارسة تطبيقية محترفة، على نحو ما هو متجسد فى مجدى يعقوب الطبيب وفيلسوف الطب، أو الباحث فيه وفى علومه.
من هنا يمكن أن نرى مجدى يعقوب ظاهرة مصرية خالصة لكل مصرى أن يفخر بها، والحقيقة أنه مع أسماء أخرى كثيرة من العلماء والباحثين الناجحين يمثلون تجسيداً حياً لهذه الظاهرة المصرية القديمة المتجددة عبر الزمن، دالة على رسوخ العقل العلمى لدى الإنسان المصرى. وهو وإن مثل قمّة أو ذروة هذه الظاهرة على المستويين العلمى والإنسانى، لكنها فى الحقيقة ليست حالة فردية، فلدينا عشرات الآلاف من الأطباء الممتازين فى الخارج، الذين يضيفون لمصر حتى وإن عملوا فى الخارج، وما زالوا متعلقين بها هوية وسكناً واستقراراً وثقافة وتاريخاً، ولا ينفصلون عنها أبداً، بل يأتى خروجهم إما بحثاً عن مزيد من العلم أو الامتداد نحو سياقاتٍ بحثية وعملية أكثر تجدداً. وكذلك مئات الآلاف من العلماء فى التخصصات الأخرى، فى الهندسة والعمارة والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، وغيرها.
يمثل مجدى يعقوب ذروة هذه الظاهرة المصرية الاستثنائية، لأنه ظل شاعراً بالامتنان والحب العميق لمصر، ظل بكامل عشقه للحضارة المصرية، وعميق الإحساس بعظمتها وتفردها، وأنها استثناء عن كل حضارات العالم وهوياته، مهما بدت بعض الدول الأخرى أكثر تقدماً. وأكبر دليل على هذا ارتباطه بأسوان تحديداً، وهو ابن أسيوط صاحب الأصول الصعيدية، المولود فى بلبيس بالشرقية، ويبدو أن هذا كان بسبب ظروف عمل والده الطبيب، الذى منح حياته للمرضى المصريين فى الريف، كما كان يحدث مع كل أطباء مصر، الذين يخدمون فى أول حياتهم فى الأقاليم والمناطق بعيداً عن العاصمة.
هكذا تصبح قصة أسطورة الطب وجراحة القلب فى العالم الدكتور مجدى يعقوب، قصة مُلهمة لكل طالب علم مصرى، وكم أتمنى لو اتجهت الشركة المتحدة لإعداد أفلام وثائقية وروائية عن حياته الحافلة بالإبداع العلمى والقيم الإنسانية العظيمة.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







