يوميات الأخبار

الغزالى والفلسفة «2»

د. ريم بسيونى
د. ريم بسيونى


د. ريم بسيونى

الغزالى ليس شخصية صدامية، بل كان صاحب رسالة وهدف فلاطف الجمهور ليصل إلى إقناعهم .

فى الشهر الماضى تكلمنا عن علاقة الغزالى بالفلسفة وكيف تم اتهامه هو نفسه بأنه يستعمل الفلسفة فى كتبه. وكنا قد تساءلنا فى نهاية المقال هل قرأ من انتقد الغزالى من أجل كتاب تهافت الفلاسفة كل أعماله عن الفلسفة؟ وهل يمكن أن يكون كتاب تهافت الفلاسفة هو المصدر الوحيد للحكم على الغزالي؟ يخبرنا د. سليمان دنيا أن ابن رشد نفسه لو كان قد قرأ أعمال الغزالى التى اختص بها الراسخين فى العلم (الخاصة) لم يكن ليكتب كتاب «تهافت التهافت». لأنه كان سيجد أنه هو والغزالى لم يختلفوا فى الحقيقة كل هذا الاختلاف. لذا ننصح القارئ ألا يحكم على الغزالى دون القراءة وبالطبع دون قراءة كل ما يتعلق بالفلسفة فى كل أعماله وليس فقط فى كتاب واحد. 
نؤكد أن الغزالى فى تهافت الفلاسفة وجد فقط ٣ مسائل من أصل عشرين مسألة يخالف فيها الفلاسفة الشرع. فكيف نقول أن الغزالى كفر الفلاسفة فى العموم؟ يعلمنا الغزالى أن نصف العلم خطر كبير أكثر من الجهل. لأن الجاهل يتعلم، ولكن من يظن نفسه عالم يضر غيره. 
تطور أم تناقض؟
الغزالى يكتب لأكثر من قارئ
يقول د. دنيا إن من يقرأ كتب الغزالى الفقهية يجد تطورا ملحوظا فى الأفكار. يقول دنيا إن فكر الغزالى تطور، ولكنه لم ينكر أيا من كتبه، بل كان يذكرها فى مؤلفاته إلى آخر عمره. وبالنسبة لدكتور سليمان دنيا هذا يدل أن الغزالى كان يكتب لأكثر من قارئ. يعتمد سليمان دنيا فى ذلك على كلام الغزالى نفسه فى ميزان العمل وجواهر القرآن. ويوضح أن هناك مشكلة لدى الجمهور بعد ذلك فى قراءة الغزالي. 
ولكن سليمان دنيا لا يتفق أيضا مع الرأى الذى يرى أن تناقض الغزالى فى بعض الآراء يرجع فقط لتطوره كمفكر. سليمان دنيا لا ينكر تطور الغزالى كمفكر، ولكنه يقول إن هذا تطور طبيعي، ولكنه لا يستطيع وحده أن يشرح لنا لِمَ تتناقض أفكاره مع أنه لم يتملص من أى كتاب من كتبه ولا قال إنه غير رأيه فى شيء. لا يجد دنيا بدًا من قراءة الغزالى كما أراد الغزالى نفسه وهى أن له كتبا تخاطب الجمهور وأخرى تخاطب الخاصة. فلهذا السبب لا يتفق سليمان دنيا مع دكتور زكى مبارك أن الغزالى متطور لذا تتناقض أفكاره. مثال على هذا مسألة «خلود النفس» التى انتقد فيها الغزالى الفلاسفة فى «تهافت الفلاسفة» ولكنه يبدو كأنه يوافقهم الرأى إلى حد ما فى كتابه «الأربعين فى أصول الدين». فكيف نشرح هذا؟ كتاب الأربعين كتاب للخاصة وليس العامة، لذا وضع فيه حقيقة رأيه وشرح أفكارًا ربما تستعصى على العامة فى الفهم. 
التهافت كمصدر للحكم على الغزالي
د. سليمان دنيا فى كتابه عن الغزالى الذى أنصح القارئ بقراءته بشدة لاحظ شيئا مهما وهو أن العلماء كثيرا ما يعولون على كتاب تهافت الفلاسفة للحكم على الغزالى وهذا خطأ لعدة أسباب. أولها أن الغزالى نفسه أوضح فى كتابه جواهر القرآن أن تهافت الفلاسفة كتاب للعامة أى لحفظ عقيدة العامة وهو كتاب لا يشتمل على الحقيقة التى اختص بها الخواص من العلماء الذين أطلق عليهم «الراسخين فى العلم» كما وضحنا. 
بل ينتقد دنيا موقف علماء عصرنا أنهم ربما أغفلوا حقيقة أن الغزالى لا يناقض نفسه، بل يكتب لأكثر من قارئ. ومن ضمن كتب الغزالى للخاصة كتاب الأربعين فى أصول الدين وكتاب جواهر القرآن وكتاب مشكاة الأنوار. 
لاحظ أيها القارئ أن من ضمن انتقاد ابن رشد للغزالى أن الغزالى مكن العامة من الفلسفة وبسطها حتى يفهموها ولكن الغزالى فى الحقيقة لم يقصد هذا لأنه اختص بأفكاره الفلسفية الراسخين فى العلم وأوصى بألا يتطلع العامة على كتبه المضنون بها على غير أهلها. أما كتاب التهافت فالمقصود به فى الحقيقة العامة. لذا يتساءل دنيا هل لو عرف ابن رشد أن للغزالى كتبًا للعامة وكتبًا للخاصة كان سينتقده حينها؟ ابن رشد لم تصل إليه كتب الغزالى للخاصة لأنها على حسب كلام ابن طفيل لم تصل إلى الأندلس. لاحظ أن كتاب إحياء علوم الدين تم حرقه فى الأندلس ومنع تداوله فى حياة الغزالى نفسه.  
ماذا قال الغزالى نفسه عن قراءة كتبه؟ 
وقد كان الغزالى واضحا جدا فى كتابه جواهر القرآن مثلا عندما منع الناس من نشر وتداول كتبه التى اختص بها الراسخين فى العلم بل وحدد أسماء بعض هذه الكتب.
ولا بد أن نوضح أن الغزالى ليس شخصية صدامية، بل كان صاحب رسالة وهدف فلاطف الجمهور ليصل إلى إقناعهم، لذا من المتوقع ما قاله مثلا فى كتابه القسطاس المستقيم من أن لكل شخص طريقه للفهم وأن الناس تختلف فى طريقة الإقناع، لذا استشهد بالآية «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن» ليوضح أن الله طلب منا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم وبالطريقة التى تقنعهم. بل يقول الغزالى فى أكثر من موضع أن النبى قد طلب منا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم. ويقول الغزالى جملته الشهيرة «ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى؛ بل صدور الأحرار قبور الأسرار»، ويقول: «ولقد قال بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر» أليس يقول: «إن الحكمة إن غذى بها غير أربابها، أضرت بهم كما يضر لحم الطير بالطفل الرضيع»؟!
بل يردد الغزالى فى أكثر من كتاب أبيات الشافعي: 
«فمن منح الجهال علمًا أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم».
العلماء الذين انتقدوا الغزالى هل قرأوا أعماله؟
يوضح لنا د.سليمان دنيا شيئا مهما جدا وآفة من آفات عصرنا وهى أن من انتقد الغزالى لم يقرأ كل أعماله، بل ربما لم يقرأ أيا من أعماله. وقد واجهت أنا شخصيا أناسا ينتقدون الغزالى ويدعون أنه قتل الفلسفة أو لم ينصف المرأة دون قراءة كتابه عن الفلسفة أصلا أو باقتطاع أجزاء من كتبه دون سياق أو بعدم معرفة شاملة بكل ما كتب. 
ويعطى سليمان دنيا مثالا على أحد أكثر المهاجمين للغزالى وهو ابن الصلاح (1181-1245) الذى فيما يبدو لم يقرأ للغزالى أصلا بل اعتمد على كلام الناس عنه. يقول دنيا «وليس تعويل ابن الصلاح فى الحكم على كتب الغزالى على السماع، بدعًا فى بابه، فلقد حدثنا المازرى عن الغزالى حديثًا، أوجعه فيه نقدًا وتقريعًا فى وثوق ويقين، لا يشك معهما القارئ أن المازرى بحث، وفتش فى الكتب، وقابل بين المسائل، لولا أن المازرى نفسه يصارحنا بأنه لم يرجع فيما حكى ونقد إلى شيء من كتب الغزالى وإنما عول على ما بلغه من الأخبار»!. 
وهذه النقطة مهمة جدا فيبدو أن المازرى وابن الصلاح كلاهما لم يقرأ للغزالي، بل اعتمدا على ما وصلهما من أخبار. وينقد دنيا هذا موضحا أن الغزالى شخصية عبقرية معقدة، هناك من يضعها فى درجة الأولياء، وهناك من ينتقدها بشدة، وشخصية كهذه ليس عدلا الحكم عليها دون قراءة.  
هل أدرك الغزالى أنه فيلسوف؟ علينا العودة للبحث عن المعنى. الفلسفة التى انتقدها الغزالى ليست هى نفسها الفلسفة التى نتكلم عنها نحن فى عصرنا الحالي، بل انتقد الغزالى جزءًا معينًا من الفلسفة ولم يهدم العلم كله كما يظن البعض ولا عمم نتائج بحثه إطلاقا، بل أقر أنه أخذ من الفلاسفة ما يروق له لأنه يستطيع أن يميز بين أفكارهم. 
استمرت الفلسفة الإسلامية بعد الغزالى فى كتابات ابن رشد وابن طفيل وفلاسفة آخرين فى إيران. 
وكما أكد «أورمسبي» الغزالى لم يقتل الفلسفة، بل جهزها ونقاها لتصلح للمزج بالأفكار الإسلامية فيما بعد. سواء لعلماء الدين أو للصوفية. بل يقول «فرانك جريفيل» إن المنهج الفلسفى لم يترك الغزالى فى بقية كتابته. هذا الكلام قد أكده أيضا د.سليمان دنيا عندما قال إن بحث الغزالى دوما عن حقيقة المعانى هو فى حد ذاته منهج فلسفي.