قضية ورأى

فراعنة أم قدماء المصريين؟ المصطلح وحدود الوعى بالهوية

البدوى محمد
البدوى محمد


يميل كثير من دارسى الحضارة المصرية القديمة إلى رفض مصطلح الفراعنة، وتفضيل استخدام عبارة قدماء المصريين بدعوى الحياد والشمول، والابتعاد عن الجدليات التى ارتبطت بالفرعونية، بيد أن هذا الطرح رغم معقوليته يحتاج إلى إعادة تفكيك، لأنه يصطدم مباشرة بجوهر الهوية المصرية وخصوصية الحضارة التى امتدت لآلاف السنين.

فمصطلح قدماء المصريين لا يميز بين مرحلة الأسرات المصرية القديمة التى بلغت فيها الحضارة ذروتها، وما تلاها من حقب بطلمية ورومانية، فيما تخللها أيضاً احتلال هكسوسى وفارسي، وهو ما يجعلنا نفقد القدرة على تحديد مرحلة تاريخية واضحة إذا اكتفينا بالقول مصر القديمة فقط، وفى المقابل ليس هناك ما يتشابه مع هذا المصطلح فى ثقافات أخرى؛ فلا يوجد مثلا «قدماء الأتراك» أو «قدماء العراقيين» أو «قدماء الصينيين»، ما يعكس محدودية هذا الطرح التوافقى وميله إلى التعميم غير الدقيق.

هناك إشكالية أخرى متعلقة بالطابع اللغوى للمصطلح، إذ إن كلمة مصر عربية المنشأ، بينما الحضارة نفسها كانت كمتية وقبطية قبل تعريبها لاحقا، وبالتالى مصطلح قدماء المصريين حديث نسبياً، ومن الأصح تاريخياً القول قدماء القبطيين أو الكمتيين، لتحديد الهوية بدقة دون التباس، وصعوبة هذا الطرح ناتجة عن اصطدامه بحاجز اللغة المتجددة، كما أن المعايير الأكاديمية قد تفتح بابا من الجدل لا ينتهي، والأوقع هو مواجهة الادعاءات بحزم والحفاظ على ملامح الهوية نقية، دون شقاق أو تشكيك.

خلف تفضيل مصطلح قددماء المصريين روايتان متقاطعتان؛ الأولى تأثر الأدبيات الغربية بالرواية العبرانية التى شوهت رموز الحضارة المصرية، فحوَّلت الأهرام بعظمتها الفنية والمعمارية والتراثية من واحدة من عجائب الدنيا وأقدم الرموز الأثرية فى العالم وأشهرها إلى رمز للسخرة والاستعباد وكأنها هولوكوست الزمن القديم، والثانية تعميم حادثة فرعون موسى التى وردت فى القرآن الكريم على الحضارة المصرية كلها، على الرغم من أنها وقعت فى لحظة زمنية محددة ولا تعكس تاريخ مصر الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام قبل تلك الحقبة.

فى مقابل ذلك، يمتلك مصطلح الفراعنة مرجعيات مصرية واضحة موضوعاً؛ فهو يظهر بداية مع الأسرة الثامنة عشرة مع تحتمس الثالث، ويشمل بقية الأسرات السابقة ليصبح علامة دقيقة وموثوقة لوصف عصر الأسرات المصرية القديمة، كما أن مصر شهدت ملوكا عظاما، مثل خوفو وخفرع ومنكاورع وأحمس ورمسيس الثانى وتوت عنخ آمون، وملكات عظيمات كحتشبسوت ونفرتيتى، فضلا عن كليوباترا، التى رغم أنها بطلمية فقد استوعبتها الرمزية الفرعونية ثقافياً وسياسياً، مما يعكس ملمحا حضاريا متكاملا صاغ التاريخ بأيقونات ملكية أثرت قيم الحضارة الإنسانية على مر العصور.

كما أن هذا المصطلح لا يختزل الحضارة فى شخص الملك فقط، بل يرمز إلى نظام سياسى واجتماعى وثقافى متكامل، وعلاقة مميزة بين الإنسان والزمن وفكرة الخلود، بما يعكس القوة الرمزية للحضارة المصرية.

ويمكن إظهار أهمية الانحياز إلى اختيار كلمة فراعنة إلى السجال الشعرى والفكرى الذى دار حول الأهرامات، والذى يُظهر أيضاً أهمية اختيار مصطلح لتحديد الهوية وصَون الوعى التاريخي؛ فقد رأى أحمد محرم فيها شاهدًا على القسوة والاسترقاق، بينما اعتبر مطران أنها لا للعلا ولا للحاكم ولكن تخدم الأعداء، وارتفع شوقى ليعيد مقامها الرمزى قائلاً إن الإنسان يمشى على حُرم الدهر ويدعو الأوائل، فيما شدد حافظ إبراهيم على أن بناة الأهرام فى سالف الدهر كفونا الكلام عند التحدي، وهذا كله يوضح أن ذكر الفراعنة يعنى الحفاظ على رواية الأجداد، وصون المجد الحضاري، وتأكيد الهوية المصرية، بعيداً عن المقولات المشوهة التى تَصِمُ الحضارة بعبء أخلاقى أو استغلال لحادثة فرعونية واحدة لتعميم الحكم على تاريخ كامل.

فى النهاية، القضية ليست مجرد اختيار مصطلح، بل مسألة وعى ناضج يميز بين التاريخ الحضارى والوظائف الأخلاقية الاستثنائية للنصوص الدينية، والروايات المعادية للحضارة المصرية، وإعادة قراءة بعض المصطلحات والأفكار من منظور الهوية المصرية الفريدة.

باحث علوم سياسية