في وقت تسعى فيه بكين إلى تقديم نفسها باعتبارها عامل استقرار في نظام دولي مضطرب، فجرت تطورات داخلية مفاجئة تساؤلات واسعة حول تماسك القيادة السياسية والعسكرية في الصين.
فوفقًا لصحيفة «ذي إيكونوميست» البريطانية، تشهد الصين واحدة من أوسع حملات التطهير والانضباط داخل الحزب الشيوعي والجيش الصيني منذ عقود، ما يسلّط الضوء على طبيعة إدارة السلطة في عهد الرئيس الصيني، شي جين بينج، ويثير مخاوف في الخارج بشأن انعكاسات هذه التحركات على استقرار المؤسسة العسكرية وآليات صنع القرار في أوقات الأزمات.
تحقيقات تطال قمة الهرم العسكري
بعد سقوط الرجل الثاني قرب شي جينبينج.. زلزال في الجيش الصيني يهز هرم السلطة #القاهرة_الإخبارية #الصين pic.twitter.com/7Wh8J9bH9l
— القاهرة الإخبارية - AlQahera News (@Alqaheranewstv) January 24, 2026
كشفت وزارة الدفاع الصينية في 24 يناير/كانون الثاني، عن خضوع الضابط العسكري الأعلى رتبة، تشانج يوشيا، إلى جانب جنرال رفيع آخر هو ليو تشنلي، لتحقيقات تتعلق بانتهاك قواعد الانضباط.
وتعد هذه التطورات الأوسع من نوعها في قمة القيادة العسكرية منذ عام 1971، عندما شهدت الصين أزمة كبرى في صفوف القيادة بعد وفاة وزير الدفاع الصيني آنذاك لين بياو، في واقعة ارتبطت بمحاولة انقلاب مزعومة ضد ماو تسي تونج.
اقرأ أيضًا| «هجمات يومية» على أوديسا.. تصعيد روسي يعيد البحر الأسود إلى قلب الحرب
تصاعد حملة الانضباط داخل الحزب والدولة
تزامنت التحقيقات في صفوف القيادة العسكرية مع تصعيد غير مسبوق في إجراءات الانضباط داخل الحزب الشيوعي الصيني، حيث تشير التقديرات إلى أن السلطات حققت خلال عام 2025 مع أكثر من مليون شخص بتهم تتعلق بالفساد أو الانحراف السياسي، بزيادة تقارب 60% مقارنة بالعامين السابقين.
ويمثل هذا الرقم أعلى معدل منذ تولي الرئيس الصيني، شي جين بينج السلطة عام 2012، في إطار ما تصفه بكين بأنه آلية ذاتية لضبط الحزب في ظل غياب رقابة إعلامية مستقلة، واعتماد الحزب على أجهزته الداخلية لضمان الالتزام الصارم بالانضباط.
وخلال اجتماع كبار المسؤولين في بكين في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غاب 37 من أصل 205 أعضاء متفرغين في اللجنة المركزية للحزب، وسط تقديرات بأنهم يخضعون لتحقيقات.
وامتدت الحملة إلى المستويات الأدنى، ما أدى ــ بحسب محللين ــ إلى ترهيب بعض الكوادر، ودفع آخرين إلى الاحتماء بشبكات ولاء شخصية، مع شلل نسبي في صفوف مؤيدين لإصلاحات داخلية.
انعكاسات مباشرة على جيش التحرير الشعبي
وصفت صحيفة الجيش الصيني، بشكل غير مباشر، الإطاحة بالجنرالين بأنها جزء من الحرب على الفساد، لكنها ألمحت أيضًا إلى وجود مظاهر عصيان أو عدم امتثال كامل لتوجيهات القيادة العليا.
وذكرت الصحيفة أن نفوذ الضابطين كان «خبيثًا للغاية»، وأنه تسبب في «ضرر جسيم» للبيئة السياسية داخل الجيش الصيني، إلى جانب التأثير على بناء القدرات القتالية.
ورغم حملة التطهير، تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية بشكل كبير، فقد أصبح الأسطول الصيني الأكبر عالميًا من حيث عدد القطع، ويتوقع البنتاجون أن تبني الصين ست حاملات طائرات إضافية بحلول عام 2035، ليرتفع العدد إلى تسع حاملات، مقارنة بإحدى عشرة لدى الولايات المتحدة.
كما يُتوقع أن تضم الترسانة النووية الصينية ما لا يقل عن ألف رأس نووي بحلول عام 2030، موزعة على صواريخ وغواصات وطائرات، وهو رقم لا يزال أقل من الولايات المتحدة وروسيا، لكنه يشير إلى توسع كبير في القدرات الردعية.
اقرأ أيضًا| اجتماعات سرية مع رجال أعمال صينيين قد تطيح برئيس دولة البيرو.. ما القصة؟
تقييمات أمريكية: مكاسب طويلة المدى ومخاطر قصيرة
وأشار تقرير للبنتاجون في ديسمبر/كانون الأول إلى أن حملة التطهير قد تؤثر سلبا على الفعالية العملياتية لجيش التحرير الشعبي الصيني على المدى القصير، في حين قد تسهم على المدى الطويل في تحسين الانضباط والكفاءة المؤسسية.
لكن التقرير لم يتوقف طويلاً عند ما يصفه مراقبون بالخطر الأكبر: "إضعاف الدائرة الاستشارية المحيطة بالرئيس الصيني شي جين بينج، ما قد يؤثر على جودة المشورة العسكرية والسياسية في حال اندلاع أزمات إقليمية أو توترات كبرى".
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه البحار المحيطة بالصين مستويات مرتفعة من التوتر، سواء في بحر الصين الشرقي أو بحر الصين الجنوبي، مع وجود دوريات بحرية وجوية لقوى دولية، واتهامات متبادلة بسلوكيات محفوفة بالمخاطر.
ويرى محللون أن أي حادث غير محسوب في هذه المناطق قد يتطلب قيادة عسكرية متمرسة وقادرة على احتواء التصعيد، وهو ما يطرح تساؤلات حول تأثير تغييرات القيادة على سرعة وفعالية اتخاذ القرار.
تغييرات في قمة اللجنة العسكرية المركزية الصينية
بعد إبعاد تشانج يوشيا والجنرال ليو، أصبحت اللجنة العسكرية المركزية ــ أعلى هيئة قيادية في الجيش الصيني ــ أضعف من حيث الخبرة العملياتية، إذ تشير التقديرات إلى أن الرئيس الصيني، شي جين بينج أطاح منذ عام 2022 بخمسة من أصل ستة أعضاء نظاميين فيها.
ولم يتبق سوى الرئيس الصيني، شي جين بينج نفسه، الذي يرأس اللجنة، إلى جانب مفوض سياسي مسؤول عن ملفات الانضباط ومكافحة الفساد، يفتقر إلى الخبرة المباشرة في العمليات العسكرية.
وتثير هذه التغييرات تساؤلات في الأوساط الدولية حول مدى تنوع الآراء داخل دوائر صنع القرار العسكري، وما إذا كانت التعيينات الجديدة في الصين ستعزز ثقافة الطاعة التنظيمية على حساب تقديم تقديرات مهنية مستقلة بشأن المخاطر والتحديات.
وترى «الإيكونوميست»، أن تركيز القيادة على الولاء والانضباط الصارم قد يضمن السيطرة السياسية، لكنه قد يقلل من مساحة النقاش المهني داخل المؤسسة العسكرية في لحظات حساسة.
وبحسب محللين، من المتوقع أن يستغل الرئيس الصيني، شي جين بينج، البالغ من العمر 72 عامًا، مؤتمر الحزب المقبل لتأكيد استمراره في الحكم وتعزيز نهج يضع الطاعة والانضباط في صدارة أولويات الحزب.
وفي حين تؤكد بكين أن هذه السياسات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الداخلي، ترى دوائر غربية أن مركزية القرار بهذا الشكل قد تحمل مخاطر إضافية في بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وعدم اليقين..
اقرأ أيضًا| الجارديان: الصين تخترق هواتف الحكومة البريطانية لمدة 3 سنوات


بوتين: نقدر جهود الرئيس السيسي لحل الأزمة بالشرق الأوسط
جيش الاحتلال يعلن اغتيال 4 مسؤولين أمنيين بارزين في حماس
لبنان وإسرائيل على أعتاب وقف النار.. وعون يتحدث عن «الفرصة الأخيرة»







