دخلت الساحة السياسية في بيرو مرحلة جديدة من الاضطراب، بعد تفجر فضيحة تسريبات مصورة تربط رئيس بيرو خوسيه جيري بسلسلة اجتماعات غير معلنة مع رجال أعمال صينيين يخضعون لتحقيقات رسمية، ما فتح الباب أمام تحركات برلمانية وقضائية قد تنتهي بعزله من منصبه قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية.
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، فإن القضية لا تقتصر على خروقات بروتوكولية أو زيارات غير مُسجلة، لكن تمتد إلى شبهات فساد واستغلال نفوذ، في ظل شبكة مصالح اقتصادية معقدة تربط شركات صينية بمشاريع بنية تحتية وطاقة وعقود حكومية داخل بيرو، بالتوازي مع تصاعد التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في البلاد.
وتأتي هذه التطورات في دولة عرفت خلال العقد الأخير حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن، حيث تعاقب على الرئاسة سبعة رؤساء في أقل من عشر سنوات، ما جعل الرأي العام والطبقة السياسية أكثر حساسية تجاه أي شبهات تمس النزاهة أو تضارب المصالح في قمة السلطة.
اقرأ أيضًا| بعد تهديدات ترامب لجرينلاند.. كيف تخطط أوروبا لمعاقبة الصادرات الأمريكية؟
رئاسة هشة وسجل طويل من الفضائح
ليست التسجيلات السرية ولا قضايا الفساد المرتبطة برؤساء بيرو أمرًا جديدًا على المشهد السياسي في البلاد.
فعلى مدى العقد الماضي، تعاقب على رئاسة بيرو سبعة رؤساء، لم يتمكن أي منهم من البقاء في منصبه لأكثر من ثلاث سنوات، فيما استقال أحدهم بعد أسبوع واحد فقط من توليه السلطة.
وفي هذا السياق، يواجه رئيس بيرو الحالي خوسيه جيري، البالغ من العمر 39 عامًا، خطر الانضمام إلى هذه القائمة، رغم أنه لم يمضِ سوى أشهر قليلة على توليه المنصب، بعد أن قاد بنفسه إجراءات عزل سلفه، قبل تنصيبه رئيسًا في أكتوبر الماضي.
لقطات مراقبة تُظهر جيري في مطعم يملكه رجل أعمال صيني
في مقطع فيديو مسرّب نُشر هذا الشهر، تظهر لقطات من كاميرات مراقبة بتاريخ 26 ديسمبر، رئيس بيرو جيري وهو ينزل من سيارة تابعة لمكتب الرئيس، ثم يحاول تغطية وجهه بغطاء رأس أثناء دخوله مطعم "شين يان"، المملوك لرجل الأعمال الصيني ليانج جيهوا، الذي يخضع لتدقيق وتحقيقات حكومية.
وأثار المقطع تساؤلات واسعة حول سبب عدم تسجيل هذه الزيارة ضمن السجل الرسمي لأنشطة الرئيس، خاصة في ظل الصفة القانونية الحساسة لصاحب المطعم.
وبعد أسبوع، تم تسريب فيديو ثانٍ يُظهر الرئيس جيري داخل أحد المتاجر العديدة التي يملكها ليانغ جيهوا في العاصمة ليما، ويظهر في المقطع وهو يصرخ في هاتفه المحمول أمام رجل الأعمال الصيني.
وكانت وسائل الإعلام المحلية قد أفادت بإغلاق المتجر لمخالفته قانونًا بلديًا، إلا أن هيئة تنظيمية اتحادية قامت، بعد ثلاثة أيام فقط، بإلغاء هذا القرار، وهو ما زاد من الشكوك حول وجود تدخلات أو ضغوط غير مباشرة.
القانون يلزم الرئيس بتسجيل كل الأنشطة الرسمية
وفقًا للقانون البيروفي، فإن الرئيس ملزم قانونًا بتسجيل جميع أنشطته الرسمية.
وقد أقرّ جيري بصحة مقاطع الفيديو، لكنه لم يكشف عن زياراته للمطعم أو المتجر في السجلات الرسمية، ما فتح الباب أمام اتهامات بانتهاك القواعد المنظمة لشفافية العمل الرئاسي.
وخلال جلسات استجواب حادة هذا الأسبوع داخل الكونجرس، تبنّى الرئيس جيري لهجة تحدٍّ، مؤكدًا أنه كان يعرف ليانج جيهوا، الذي يناديه بـ"جوني"، قبل توليه الرئاسة.
وأوضح أن زيارته للمطعم جاءت لأنه يحب الطعام الصيني، بينما مرّ بالصدفة على المتجر فقرر شراء بعض الحلوى واللوحات، مضيفًا أن صاحب المتجر لم يسمح له بالدفع "لأنه كان لطيفًا معه".
أما واقعة الصراخ في الهاتف، فقال إنها تعود إلى مكالمة من سكرتيره الصحفي بشأن موضوع آخر أثار غضبه، رافضًا في الوقت نفسه مشاركة سجل مكالمات هاتفه مع المشرعين أو الصحفيين.
وقال في جلسة الكونجرس يوم الخميس: "هذه تصرفات طبيعية يقوم بها الناس بغض النظر عن مناصبهم، ولكن تم تحريفها لأغراض ستكشف عنها التحقيقات بالتأكيد".
20 مشرّعًا يوقعون على مقترحات عزل رئيس بيرو
خالفت العرف ولم يعلن عنها رسميا.. الكونغرس البيروفي يطالب الرئيس بالمثول أمامه وتوضيح سبب لقاءاته المتكررة مع رجل أعمال صيني #بيرو #العربية pic.twitter.com/v5xPkRYMyT
— العربية (@AlArabiya) January 21, 2026
قوبل دفاع الرئيس بتشكيك عميق داخل الأوساط السياسية، ووقّع ما لا يقل عن 20 مشرّعًا على مقترحات، إذا تم إقرارها، ستؤدي إلى عزل جيري من منصبه، مع استمرار ارتفاع عدد المؤيدين لعزل رئيس بيرو.
ومن أصل 130 عضوًا في مجلس النواب، يحتاج قرار العزل إلى تصويت 66 عضوًا على الأقل، وفي يوم الثلاثاء، أعلن مكتب المدعي العام في بيرو فتح تحقيق رسمي في قضايا فساد تتعلق باجتماعات الرئيس مع ليانج جيهوا.
ويمتلك ليانج جيهوا أكثر من اثنتي عشرة شركة في بيرو، من بينها شركة بناء فازت بعدة عقود مع الشرطة، وشركة للطاقة الكهرومائية حصلت على امتياز حكومي لبناء سد، إضافة إلى مصنع للخزف تم بناؤه، وفق اتحاد تجاري وطني، دون تصاريح مناسبة.
تقرير سري للكونجرس يكشف شبهات فساد
حصلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، على تقرير سري أعدته لجنة تابعة لـ الكونجرس البيروفي العام الماضي، يتناول شركات صينية متهمة بالفساد.
وأشار التقرير إلى أن ليانج جيهوا كان شريكًا ثانويًا في مشروع طريق سريع تزيد قيمته عن 50 مليون دولار، قادته شركة محلية تابعة لشركة هندسة السكك الحديدية الصينية، والذي أصبح لاحقًا موضوع نزاع تحكيمي.
ويتهم التقرير شركة المقاولات التابعة لليانج بالتآمر للاحتيال على الدولة البيروفية، من خلال استغلال النفوذ الاقتصادي لشركات صينية حكومية ضخمة للحصول على عقود لمشاريع تم التخلي عنها لاحقًا.
بينما لم يرد مكتب رئيس بيرو جيري على طلب إجراء مقابلة، كما لم يكن من الممكن الوصول إلى ليانغ جيهوا للتعليق على الاتهامات.
كاميرا خفية وحقائب بضائع «للقائد»
بثت قناة "ويلاكس" المحافظة مقطع فيديو ثالثًا يُظهر رئيس بيرو جيري مع ليانج جيهوا، ويبدو أنه صُوّر بواسطة كاميرا خفية.
ويُظهر الفيديو لحظة منفصلة داخل متجر ليانج خلال زيارة الرئيس في 6 يناير، حيث يظهر أعضاء من فريق الرئيس وهم يجمعون أكياسًا من البضائع من أشخاص يُعتقد أنهم موظفو المتجر، بينما يُسمع صوت يقول: "هذا للقائد".
عطلة الكونجرس تعقّد إجراءات العزل
يتواجد الكونجرس البيروفي حاليًا في عطلة صيفية، ما يصعّب عقد جلسة عامة استثنائية لبحث العزل، رغم أن مشرعين من مختلف التيارات السياسية أعربوا عن دعمهم لعقد مثل هذه الجلسة في أقرب وقت ممكن.
ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في بيرو خلال أبريل/نيسان، واستند جزء من دفاع الرئيس إلى اتهام خصومه السياسيين بتسريب مقاطع الفيديو بهدف "التأثير على العملية الانتخابية".
وقبل اندلاع الفضيحة، كان جيري يتمتع بنسبة تأييد بلغت 51% وفق آخر استطلاع للرأي.
نفوذ صيني متصاعد في بيرو
توثقت علاقات بيرو مع الصين بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لبيرو منذ أكثر من عقد.
وفي عام 2024، أنجزت شركات صينية بناء ميناء ضخم شمال ليما ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، كما تُعد الصين المستورد الرئيسي للنحاس، وهو أكبر صادرات بيرو، إلى جانب الدور الواسع للشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية والاتصالات.
كما يُسمح للبيروفيين بالسفر إلى الصين بدون تأشيرة كسياح، في خطوة تعكس عمق العلاقات الثنائية.
الولايات المتحدة تدخل على خط التنافس
سعت الولايات المتحدة إلى مواجهة النفوذ الصيني في بيرو عبر تعزيز الشراكة العسكرية، وخلال فترة رئاسة جيري، أبلغ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الكونجرس بنيته جعل بيرو "حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو"، وهو تصنيف تشترك فيه كولومبيا والبرازيل والأرجنتين.
كما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن بيرو طلبت شراء معدات وخدمات أمريكية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم بناء قاعدة بحرية جديدة بالقرب من ليما.
وفي ديسمبر، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على ترشيح ترامب لبيرني نافارو، المعروف بخطاب "أمريكا أولًا"، والذي تعهّد "باستئصال" النفوذ الصيني المتزايد، كسفير جديد للولايات المتحدة في بيرو.
وقال بعض حلفاء الرئيس السياسيين إن التنافس بين الولايات المتحدة والصين قد يكون أحد أسباب تفجّر الفضيحة.
وفي مقابلة صحفية هذا الأسبوع، قال رئيس وزراء بيرو إرنستو ألفاريز إن مقاطع الفيديو ربما سُرّبت للإضرار بالرئيس بسبب توجهه لتعزيز العلاقات مع واشنطن، مضيفًا:
"قد تكون الصين لأنها مستاءة للغاية من القاعدة البحرية، ولأننا صرحنا بشفافية أن بيرو يجب أن تكون حليفًا للولايات المتحدة".
فيما لم ترد السفارتان الصينية والأمريكية في ليما على طلبات التعليق، كما لم يصدر أي رد من السفير الأمريكي القادم بيرني نافارو.
رجل أعمال صيني آخر في دائرة الاتهام
ذكرت صحيفة "كوارتو بودير" أن رجل أعمال صينيًا آخر يُدعى جي وو شياودونج، يخضع للتحقيق لدوره في منظمة إجرامية متورطة في قطع الأشجار غير القانوني، زار القصر الرئاسي ثلاث مرات منذ تولي جيري منصبه.
وقد صدر أمر بوضع جي وو رهن الإقامة الجبرية، وأبلغ جيري المشرعين أن جي وو صديق لليانج، وأنه لا يعرفه جيدًا، مشيرًا إلى أنه بالكاد يتحدث الإسبانية، رغم أن وزارة الخارجية البيروفية تعتمد جي وو كمترجم رسمي للغة الصينية الإسبانية.
شركة تابعة لليانج مهددة بخسارة وديعة
بحسب هيئة تنظيم الطاقة في بيرو (أوسينرجمين)، لم تُحرز شركة "هيدروإلكتريكا أمريكا" التابعة لليانج أي تقدم في بناء سد بتكلفة 24.4 مليون دولار وقدرة 20 ميجاواط حتى نهاية العام الماضي.
ومن المقرر الانتهاء من المشروع في مارس/آذار، وقد تخسر الشركة وديعة بقيمة 244 ألف دولار في حال عدم الالتزام بالعقد.
وفي شهادته أمام المشرعين، كشف رئيس بيرو جيري عن اجتماعين إضافيين غير مسجلين مع ليانج، تمثلا في وجبتين إضافيتين داخل مطعم "شين يان" خلال شهر ديسمبر.
ولم تظهر حتى الآن مقاطع فيديو لهذه الاجتماعات، إلا أن الصحفي بيتو أورتيز من قناة ويلاكس قال إنه على علم بوجود 19 مقطع فيديو آخر تُظهر لقاءات إضافية بين الطرفين، ملمّحًا إلى تفاصيل مما شاهده.
رئيس بيرو: نرحب ببث كل المقاطع
من جانبه، قال رئيس بيرو جيري إنه يتطلع إلى نشر أي مقاطع فيديو أخرى، في محاولة لقلب الطاولة على خصومه.
وقال في مؤتمر صحفي بعد ظهر الخميس: "نأمل أن يبدأوا في بثها، حتى نتمكن من التحقق والحصول على المزيد من الأدلة حول من يقف وراءها وما هي الروابط بينها".
اقرأ أيضًا| تصعيد أمريكي مفاجئ.. ترامب يضع أوروبا أمام أمر واقع في جرينلاند


بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







