دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة توتر غير مسبوقة، بعدما صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مطالبه بضم جزيرة جرينلاند، مستخدمًا خطابًا حادًا في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، وضع فيه الحلفاء الأوروبيين أمام معادلة جديدة تقوم على الضغط السياسي والاقتصادي بدلًا من التفاهم التقليدي داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإن خطاب ترامب لم يقتصر على إعادة طرح فكرة الاستحواذ على جرينلاند، وكشف عن تحول واضح في نهج واشنطن تجاه أوروبا، عبر ربط الأمن القومي الأمريكي بالسيطرة المباشرة على الإقليم، والتلويح باستخدام أدوات اقتصادية وتجارية لإجبار الحلفاء على القبول بالأمر الواقع، في تطور اعتبره مراقبون اختبارًا صعبًا لوحدة الموقف الأوروبي وتماسك التحالف عبر الأطلسي.
اقرأ أيضًا| بعد تهديدات ترامب لجرينلاند.. كيف تخطط أوروبا لمعاقبة الصادرات الأمريكية؟
ترامب يهاجم القادة الأوروبيين
وصعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مطالبه بضم جزيرة جرينلاند خلال خطاب مطول ألقاه في منتدى دافوس الاقتصادي، هاجم فيه القادة السياسيين الأوروبيين، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لن تستخدم القوة العسكرية للاستيلاء على الإقليم في الوقت الراهن.
ورغم استبعاد الخيار العسكري، فإن لهجة ترامب الحادة، المليئة بالانتقادات والهجمات السياسية، عكست استمرار الضغط الأمريكي على أوروبا، في محاولة لفرض رؤية واشنطن بشأن مستقبل جرينلاند وموقعها في منظومة الأمن الدولي.
محاولة لتفادي أزمة شاملة مع أوروبا
ألقى ترامب خطابه في وقت حساس، في محاولة واضحة لتجنب تفجر أزمة شاملة بسبب جرينلاند، وبالفعل، أعلن لاحقًا بشكل مفاجئ تأجيل فرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية، كان من المقرر تطبيقها اعتبارًا من 1 فبراير، وذلك مع استمرار المفاوضات بين الجانبين.
وفسّر مراقبون هذه الخطوة باعتبارها تكتيكًا أمريكيًا لتهدئة التصعيد مؤقتًا، دون التراجع عن جوهر المطالب المتعلقة بجرينلاند.
ضغط اقتصادي بدل القوة العسكرية
أشار الخطاب الذي ألقاه ترامب أمام آلاف من قادة الأعمال والسياسيين في منتجع التزلج السويسري إلى أن الولايات المتحدة، رغم تخليها مؤقتًا عن استخدام القوة العسكرية، لا تزال تعتزم استخدام قوتها الاقتصادية والدبلوماسية لإخضاع الحلفاء الأوروبيين لإرادتها.
وأكد ترامب أنه يسعى إلى إجراء مفاوضات فورية لمناقشة استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند، في إشارة إلى أن الملف سيظل مطروحًا على طاولة المفاوضات خلال الفترة المقبلة.
رسالة صريحة من ترامب للأوروبيين
قال ترامب بوضوح: "لا أريد استخدام القوة، ولن أستخدمها، كل ما تطلبه الولايات المتحدة هو مكان يُسمى جرينلاند، يمكنكم الموافقة، وسنكون ممتنين للغاية، أو يمكنكم الرفض، وسنتذكر ذلك".
وفسّر دبلوماسيون هذه التصريحات على أنها تهديد مبطّن باستخدام أدوات ضغط مستقبلية، سواء اقتصادية أو سياسية، ضد الدول التي تعارض الموقف الأمريكي.
رد دنماركي حذر
قوبلت تصريحات ترامب برد فعل بارد من وزير خارجية الدنمارك، لارس لوك راسموسن، حيث اعتبر أن استبعاد الهجوم العسكري خطوة "إيجابية"، لكنه شدد على أن طموحات ترامب تجاه جزيرة جرينلاند لا تزال قائمة.
وقال راسموسن: "من الإيجابي، في حد ذاته، أن يُقال إنه لن يتم استخدام القوة العسكرية، لكن هذا لا يحل المشكلة، فالتحدي لا يزال قائمًا".
وصرح وزير المالية النرويجي والأمين العام السابق لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج، لشبكة CNN، بأن ترامب وجه "رسالة مهمة"، لأن كثيرين كانوا يخشون أن يهدد فعليًا باستخدام القوة للاستيلاء على جزيرة جرينلاند.
واعتبر أن استبعاد الخيار العسكري خفف من حدة القلق داخل أوساط الحلف، دون أن يبدد المخاوف بشأن مستقبل الإقليم.
تراجع عن العقوبات مقابل تقدم في المحادثات
في وقت لاحق من يوم الأربعاء، أعلن ترامب تراجعه عن خطط فرض عقوبات على ثماني دول أوروبية، نتيجة ما وصفه بالتقدم المحرز في المحادثات الثنائية مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته.
وقال إن الجانبين وضعا "إطارًا لاتفاق مستقبلي" بشأن جرينلاند و"منطقة القطب الشمالي بأكملها"، مؤكدًا أن هذا الاتفاق، إذا تم إبرامه، سيكون "حلا مثاليًا للولايات المتحدة".
وبناءً على ذلك، أعلن ترامب أنه لن يفرض الرسوم الجمركية المقررة في الأول من فبراير، والتي كانت ستبلغ 10% على كل من: الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وفنلندا.
اقرأ أيضًا| «الناتو» على حافة الانقسام.. جرينلاند تفجر اتهامات دنماركية لواشنطن
درع دفاع صاروخي في جرينلاند
لم يقدم ترامب تفاصيل دقيقة عن الاتفاق، لكنه كشف أن المحادثات تشمل إنشاء درع دفاع صاروخي أمريكي سيتم وضعه جزئيًا في جزيرة جرينلاند.
وقال للصحفيين في دافوس إن الصفقة "تحقق كل ما أردناه، بما في ذلك الأمن القومي والأمن الدولي الحقيقيين"، مضيفًا أن الاتفاق سيكون طويل الأمد وسيتم الإعلان عن تفاصيل إضافية لاحقًا.
وعندما طُلب من مارك روته التعليق على الاتفاق المبدئي، رفض الإدلاء بأي تصريحات.
ولم يتضح ما إذا كان قادة جرينلاند أو الحكومة الدنماركية قد أُطلعوا على تفاصيل الخطة أو شاركوا فيها.
وقال وزير الخارجية الدنماركي إن التطورات تمثل إشارة إلى إمكانية بدء محادثات مع فريق ترامب، مؤكدًا أن الأهم هو إنهاء الملف بطريقة "تحترم شعب جرينلاند".
ترامب يعيد كتابة سردية ما بعد الحرب العالمية
بسخرية لاذعة ولهجة هجومية، أمطر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوروبا وقادتها بسلسلة انتقادات وتحذيرات خلال كلمته في مؤتمر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.. إليكم أبرزها. #أنا_العربي pic.twitter.com/y70Z5TYkrs
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) January 22, 2026
خلال خطابه، سعى ترامب إلى استفزاز جمهوره العالمي، معتبرًا أن تنازل الولايات المتحدة عن جزيرة جرينلاند للدنمارك بعد الحرب العالمية الثانية كان "حماقة"، وقال: "لولا وجودنا، لكنتم جميعًا تتحدثون الألمانية الآن، أو ربما القليل من اليابانية".
وأشار إلى أن ألمانيا اجتاحت الدنمارك "بعد ست ساعات فقط من القتال"، وأن الولايات المتحدة تدخلت "بتكلفة باهظة"، مؤكدًا أن واشنطن وحدها القادرة الآن على الدفاع عن "هذه الجزيرة الشاسعة غير المحصنة".
وقال ترامب إن موقع جرينلاند بين الولايات المتحدة وروسيا والصين يجعلها قاعدة حيوية لدرع الدفاع الصاروخي الأمريكي المقترح المعروف باسم "القبة الذهبية".
وأضاف أن الولايات المتحدة بحاجة إلى "امتلاك" أراضي عضو آخر في الناتو من أجل الدفاع عنها، قائلاً: "إنك بحاجة إلى الملكية للدفاع عنها، لا يمكنك الدفاع عنها بموجب عقد إيجار".
وفي عدة مناسبات، بدا أن ترامب يخلط بين جرينلاند وأيسلندا، كما كرر شكواه من أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر في تمويل حماية دول الناتو.
وقال ترامب: "نقدم الكثير، ولا نحصل إلا على القليل في المقابل"، مشيرًا إلى أن دعم واشنطن للحلف قد لا يُقابل بالمثل.
ردود أوروبية وأمريكية غاضبة
"أنت تتجاوز الخطوط الحمراء".. قادة أوروبيون يهاجمون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، ردا على تهديداته المتكررة بالاستيلاء على إقليم غرينلاند، وفرض رسوم جمركية على دولهم المعارضة لتوجهاته. pic.twitter.com/emT5JnKOq7
— مجلة ميم.. مِرآتنا (@Meemmag) January 21, 2026
وحثت فولا تسيتسي، الرئيسة المشاركة لحزب الخضر الأوروبي، القادة الأوروبيين على "التوحد ضد تنمر ترامب"، كما حذر رئيس وزراء كندا مارك كارني من أن الامتثال للولايات المتحدة "لن يضمن الأمن".
وأثارت تصريحات ترامب أيضًا قلق أعضاء في حزبه، حيث قالت السيناتور ليزا موركوفسكي إن تعهده بعدم استخدام القوة مرحب به، لكنه "مؤسف أن يكون قد صدر"، مشيرة إلى تجاهله لرغبات سكان جرينلاند الأصليين.
ووصف حاكم كاليفورنيا، جافين نيوسوم، الخطاب بأنه "واحدة من أكثر الساعات تفاهة"، فيما استعرض ترامب ما وصفه بإنجازات اقتصادية كبرى، منها انخفاض التضخم وأسعار البنزين والنمو الاقتصادي السريع.
كما استخدم خطابًا قوميًا، منتقدًا الهجرة في أوروبا، ورافضًا التحول إلى الطاقة النظيفة، ومشيدًا بعلاقاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج.
وهيمنت تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية، وربطها بملف جرينلاند، على مناقشات دافوس، ما حوّل المنتدى من ساحة اقتصادية إلى منصة مواجهة سياسية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
اقرأ أيضًا| العالم ناقص واحد.. كيف يدير المجتمع الدولي النظام العالمي في ظل واشنطن المتمردة؟




الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







