كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية، في تقرير ميداني من مدينة أوديسا الأوكرانية، عن تصعيد روسي لافت أعاد البحر الأسود إلى واجهة الصراع العسكري، في وقت تتعرض فيه المدينة الساحلية لهجمات شبه يومية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بعد فشل موسكو في الاقتراب من الميناء الرئيسي عبر الوسائل البحرية المباشرة.
ويأتي هذا التصعيد في إطار تحول واضح في تكتيكات الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعتمد روسيا بشكل متزايد على الضربات بعيدة المدى، مستهدفة البنية التحتية للطاقة والمرافق المدنية والموانئ، في محاولة لفرض ضغط اقتصادي ونفسي على أوكرانيا، وعرقلة صادراتها الزراعية التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الأوكراني.
وبحسب التقرير، فإن تجدد المواجهات في البحر الأسود يعكس حالة جمود عسكري في البحر، دفعت الطرفين إلى استخدام أدوات غير تقليدية، وسط تحذيرات من أن أوديسا باتت في قلب استراتيجية روسية تهدف إلى خنق أوكرانيا اقتصاديًا وعزلها بحريًا.
دمار في الأحياء السكنية.. المسيّرات تضرب قلب المدينة
أفاد مراسل «الجارديان» من أوديسا بأن طائرة روسية مسيّرة دمرت جزءًا من جدار في الطابق الخامس والعشرين من مجمع شقق «كادور» السكني، الواقع على بعد نحو 500 متر من الواجهة البحرية، وسط درجات حرارة متجمدة.
وأشار التقرير إلى أن عمال الإنقاذ والسكان سارعوا إلى إزالة الأنقاض والزجاج المتناثر، فيما تفقد السكان سياراتهم التي تضررت بفعل الحطام المتساقط من المباني.
شهادات مدنيين.. خوف متزايد وتصاعد الشعور بعدم الأمان
قالت أناستاسيا صاحبة الـ(35 عامًا)، وهي نازحة من دونيتسك وتقيم في مبنى مجاور، إن الهجوم الأخير أعاد إليها مشاعر الخوف، بعدما اعتقدت في البداية أن ما حدث مجرد حلم.
وأوضحت أنها سمعت صوت طائرة «شاهد» الإيرانية الصنع، واصفة الصوت بأنه كان مرتفعًا بشكل لافت، مضيفة أن أوديسا كانت أكثر هدوءًا في الفترة السابقة، إلا أن الهجمات الأخيرة جعلتها تفكر في الانتقال مجددًا بسبب تصاعد المخاطر.
عودة الاشتعال في البحر الأسود بعد فترة جمود
كشف التقرير، أن وتيرة الضربات الروسية على أوديسا تصاعدت بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، بعد فترة من الجمود النسبي في جبهة البحر الأسود.
وأوضح أن الضربات الأوكرانية التي استهدفت في أواخر العام الماضي ناقلات نفط تابعة للأسطول الروسي الموازي، وقاعدة نوفوروسيسك البحرية الروسية، تزامنت مع تجدد اهتمام موسكو بمدينة أوديسا، التي طالما وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنها «مدينة روسية».
وأشار التقرير إلى أن بوتين هدد في ديسمبر عام 2025، بقطع أوديسا عن البحر، في خطوة تعكس أهمية المدينة الاستراتيجية بالنسبة لموسكو.
فشل الحصار البحري واللجوء للقصف عن بُعد
أكدت «الجارديان» أن الاستيلاء على أوديسا أو فرض حصار بحري عليها لا يزال بعيد المنال بالنسبة لروسيا، بعدما تمكنت كييف في بداية الحرب الروسية الأوكرانية من إغراق عدد من السفن الحربية الروسية باستخدام بطاريات صواريخ بحرية، من بينها الطراد الشهير «موسكفا».
وبدلاً من ذلك، لجأت موسكو إلى تكثيف الضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولة لتعويض العجز البحري بضغط جوي متواصل.
هجوم 13 ديسمبر.. نقطة التحول في التصعيد
أفاد التقرير بأن أكبر هجوم حديث وقع في 13 ديسمبر 2025، حيث استُخدمت نحو 160 طائرة مسيّرة وصاروخًا لاستهداف البنية التحتية للطاقة، ما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء عن أجزاء واسعة من المدينة لأيام متتالية.
واعتبر التقرير أن هذا الهجوم مثّل بداية مرحلة من الهجمات شبه اليومية التي أصبحت سمة رئيسية للوضع الأمني في أوديسا.
البحرية الأوكرانية.. "هجمات شبه يومية بلا توقف"
قال المتحدث باسم البحرية الأوكرانية، دميترو بليتينتشوك، إن شهر يناير شهد عددًا محدودًا للغاية من الأيام دون هجمات، موضحًا أن غالبية الأيام تعرضت لإطلاق صواريخ أو مسيّرات.
وأضاف أن القوات الروسية تستهدف البنية التحتية للطاقة بشكل متكرر، مستغلة موجات البرد القارس، في محاولة لدفع السكان نحو الاستسلام عبر الضغط المعيشي.
"رقعة شطرنج".. البحر الأسود يتحول إلى منطقة رمادية
وصف بليتينتشوك الوضع في البحر الأسود بأنه أشبه برقعة شطرنج، حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق سيطرة كاملة.
وأوضح أن أوكرانيا نجحت في دفع السفن الحربية الروسية إلى نوفوروسيسك، إلا أن الطيران الروسي لا يزال يسيطر على أجزاء واسعة من المجال الجوي فوق البحر الأسود، ما حول مساحات شاسعة تقدر بنحو 25 ألف كيلومتر مربع إلى «منطقة رمادية» تشهد اشتباكات غير مباشرة.
الموانئ والصادرات الزراعية في مرمى الاستهداف
أشار التقرير إلى أن أوكرانيا كثفت استهداف شحنات النفط الروسية، في حين تسعى موسكو إلى ضرب شريان الحياة الاقتصادي لأوكرانيا، المتمثل في صادرات الحبوب والمنتجات الزراعية عبر البحر.
وأكد بليتينتشوك، أن وتيرة قصف الموانئ الأوكرانية تصاعدت منذ الخريف، بالتوازي مع استهداف واسع للبنية التحتية للطاقة المدنية، في ما تصفه كييف بمحاولة «فصل» البلاد عن الشبكة الكهربائية.
حاكم أوديسا: البحر يحمي ويكشف نقاط ضعف
قال حاكم منطقة أوديسا، أوليه كيبر، إن البحر الأسود يمثل حاجزًا طبيعيًا يحمي المدينة من جهة، لكنه في الوقت نفسه يخلق صعوبات في بناء منظومات دفاع جوي عميقة، كما هو الحال في المدن الداخلية مثل العاصمة الأوكرانية كييف.
وأوضح أن هذا الوضع يخلق نقاط ضعف أمام الضربات بعيدة المدى التي تنطلق من شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا.
خسائر واسعة في الكهرباء والمياه والتدفئة
كشف كيبر، أن هجوم 13 ديسمبر 2025، أدى إلى انقطاع الكهرباء عن ما لا يقل عن 60% من منطقة أوديسا، إضافة إلى انقطاع المياه والتدفئة، مشيرًا إلى أن بعض الأحياء لا تزال تعاني من انقطاع الكهرباء لمدة تصل إلى 10 ساعات يوميًا.
وقال المقدم دينيس نوسيكوف، رئيس مجموعات الدفاع الإقليمي في الجنوب، إن روسيا تعتمد على هجمات مشتركة بالصواريخ وطائرات «شاهد» بهدف ممارسة ضغط نفسي على السكان وتحطيم المعنويات.
وأضاف أن الهجمات اليومية تتزامن مع عمليات نفسية روسية على وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة للتأثير على الرأي العام المحلي.
القيادة الأوكرانية: أوديسا هدف استراتيجي لموسكو
أكد رئيس أركان الجيش الأوكراني، أولكسندر سيرسكي، أن روسيا كانت تهدف إلى الوصول إلى أوديسا لقطع وصول أوكرانيا إلى البحر بشكل كامل، ضمن خطة أوسع للسيطرة على مناطق إضافية في الشرق والجنوب.
كما شدد الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، على أن موسكو تستهدف البنية التحتية والممر البحري بهدف ضرب الاقتصاد وتقليص قدرات التصدير.
وأوضح التقرير، أن نحو 90% من الصادرات الزراعية الأوكرانية تمر عبر موانئ منطقة أوديسا، ما يجعل طرق الشحن ساحة مواجهة مباشرة.
وقال المحلل العسكري أولكسندر كوفالينكو إن البحر الأسود يمثل في الوقت نفسه مصدر قوة اقتصادية ونقطة ضعف استراتيجية لأوكرانيا.
وفي مدرسة ليسيوم للبناء والهندسة المعمارية وسط أوديسا، قال مدير المدرسة إيجور تشيرنينكو إن المؤسسة تعرضت لهجوم بثلاث طائرات «شاهد»، ما أدى إلى أضرار واسعة، وفقدان أرشيف يعود إلى عام 1945.
وأضاف أن وتيرة الهجمات تصاعدت من مرة أسبوعيًا إلى هجمات شبه يومية، معتبرًا أن استهداف المدارس يعكس سعيًا لضرب مستقبل إعادة الإعمار في أوكرانيا.
ليعكس تصعيد الهجمات على أوديسا تحولًا واضحًا في مسار الحرب الروسية الأوكرانية، حيث بات البحر الأسود ساحة مركزية للضغط العسكري والاقتصادي، في وقت تتكثف فيه الضربات على البنية التحتية والمدنيين، ما ينذر بمرحلة أكثر قسوة في جنوب أوكرانيا.

بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»
الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران







