بتحويل القبلة، أسفرت الأمة المسلمة عن ملامحها كأمة وسط، تأبى الذوبان فى تراث الغابرين أو التقليد الأعمى للآخرين
لا جرم أن المتأمل فى حادثة تحويل القبلة ينفذ ببصيرة ملهمة إلى أن ذلك الحدث لم يكن مجرد انتقالٍ بين الجهات أو تبديلٍ فى الاتجاهات، بل كان زلزالاً إيمانيًا ومؤشرًا مفصليًا يزخر فى طياته بدلالات تربوية وعقدية عميقة، رسمت مسار الدعوة الإسلامية بمنهاج ربانى حكيم، تستجلى البصيرة من خلاله أدق الحكم وأسمى الغايات.
ففى المقام الأول، أطلّت علينا أسمى صور الإكرام الإلهى والمحبة لرسول الله ، حين استجاب الحق سبحانه لشوق نبيه الدفين، وحنينه الممتد نحو مكة المكرمة؛ تلك البقعة التى تحتضن بيت الله الحرام وموطن أبيه إبراهيم. لقد كان التحويل بلسماً وترضية لقلبه الشريف الذى ظل يقلب وجهه فى آفاق السماء، مستمطراً فى صمتٍ لغة الوصل، فجاء الوحى بفيض العطاء: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»؛ ليعلن التاريخ أن إرضاء المصطفى وتطييب خاطره هو مراد إلهى يسبق منطق الجهات.
ومن هذا المنطلق الوجدانى، استحال الحدث قاعدة للتمحيص والاختبار فى محضن المجتمع المسلم الناشئ؛ فكان تحويل القبلة امتحاناً دقيقاً لصدق التبعية المطلقة، ومقياساً لليقين المترسخ فى اتباع الرسول دون لجاجة أو تلكؤ. هناك، تمايزت الصفوف وبرزت معادن الإيمان التى تدرك أن «الطاعة» هى جوهر العبادة ولبها، فانفصل أهل اليقين عن أولئك الذين استرقتهم الظنون وأقعدتهم التساؤلات العريضة، لتتأكد قيمة «التسليم» كركيزة صلبة لا يقوم بناء العقيدة إلا عليها.
ولم تقف دلالات هذا الحدث عند حدود الاختبار، بل تجاوزته لتضع حجر الزاوية فى ترسيخ استقلال الشخصية الإسلامية وإبراز هويتها المتفردة. فبتحويل القبلة، أسفرت الأمة المسلمة عن ملامحها كأمة وسط، تأبى الذوبان فى تراث الغابرين أو التقليد الأعمى للآخرين، بل اتجهت بكيانها كله نحو مركز كونى خاص بها، يغرس فى نفوس أبنائها عزة الانتماء وفخر التميز.
إن المؤمن الحق يستيقن أن الجهات كلها ملك لله، وأن الغاية القصوى ليست فى «أين نولى وجوهنا؟» بل فى «من نطيع؟»، وبذلك انجلت الغبرة عن فئة الممتثلين الذين هتفوا: «سمعنا وأطعنا»، فى مواجهة المشككين الذين ركنوا إلى الجدل، فدمغهم الحق بقوله: «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ».
إن هذا الربط الوثيق بين القبلتين، الأولى والختامية، يجسد فى جوهره وحدة الرسالات السماوية واتصال موكب الأنبياء عبر التاريخ؛ ليظل المسجد الأقصى والمسجد الحرام حلقة واحدة فى سلسلة القداسة الطاهرة. وهو ما يؤكد أن الإسلام هو الإطار الأسمى والقيم المهيمن على شرائع الله، والجامع لشمل المقدسات تحت راية التوحيد الخالص.
ختامًا، تظل حادثة تحويل القبلة مدرسة خالدة فى أدب الطلب مع الله، واليقين المطلق فى حكمته، والاعتزاز الأبىّ بالهوية؛ وهى معانٍ سامية نحتاج إلى استحضارها وتأملها بين الفينة والأخرى، لتظل بوصلة القلوب متجهة دائمًا نحو الحق.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







