د. محمد شومان
مصر تنضم لركب الدول الرائدة فى الأمن الرقمي، وتصبح رابع دولة تحمى أجيال المستقبل، وتحقق الأمن الرقمى وحقوق الإنسان الرقمية
لأسباب كثيرة، أثمن عالياً الدعوة التى أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسى بدراسة وإعداد تشريع ينظم أو يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعى للأطفال حتى عمر معين، وأعتبر هذه الدعوة تكليفاً مُلزماً للبرلمان بسرعة إصدار مثل هذا التشريع وآليات تنفيذه، مما يوفر حماية مطلوبة وضرورية للأطفال المصريين حتى سن 15 سنة على الأقل. وبالتالى أفترض أن كل أطياف المجتمع يجب أن تدعم هذا التكليف الرئاسي، والذى يمثل خطوة رائدة بين دول العالم، خاصة دول الجنوب، والتى تعانى من هيمنة وتوحش شركات التكنولوجيا العملاقة ومنصات التواصل الاجتماعي.
وفى عصرنا الرقمى المتسارع، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد، وتتيح ولاشك فرصاً ومزايا مهمة، لكنها تحمل مخاطر جسيمة خاصة على الأطفال والمراهقين. من هنا يأتى تكليف الرئيس السيسى فى سياق عالمى متزايد بالوعى بمخاطر الإنترنت على الأطفال. وتساعد مبادرة الرئيس على حماية الصحة النفسية للأطفال من الإدمان والتنمر، والذى يؤدى إلى انخفاض التحصيل الدراسى وزيادة حالات الاكتئاب. وأثبتت كثير من الدراسات أن الأطفال دون 15عامًا هم الأكثر تأثرًا بالمحتوى الرقمي، لذا يساعد الحظر فى بناء وعى أفضل. كما يعزز المساواة الرقمية بمنع الاستغلال، ويشجع على أنشطة بديلة مثل: الرياضة والتعليم.
ولا تعكس هذه الخطوة فقط حرصًا على حماية النشء، بل تمثل تطبيقًا عمليًا لمفهوم «حقوق الإنسان الرقمية»، الذى يركز على ضمان بيئة رقمية آمنة ومحمية من استغلال الشركات التكنولوجية العملاقة. وقد طرح مفهوم حقوق الإنسان الرقمية لأول مرة فى قمتى مجتمع المعلومات العالمية (WSIS) عامى 2003 و2005، بحيث يشمل الخصوصية، السلامة، والمشاركة فى بيئة رقمية آمنة. كما تفرض مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على الدول واجب الحماية من انتهاكات الشركات، بما فى ذلك تقييمات الأثر على حقوق الإنسان. فى هذا تحمل حقوق الإنسان الرقمية منصات التواصل الاجتماعى مسئوليتها عن احترام حقوق الأطفال، والانتهاكات المباشرة وغير المباشرة، مثل: جمع البيانات أو عرض المحتوى الضار.
ووفقًا لمقررات الأمم المتحدة واليونيسيف يجب أن تكون الحماية مركزة على حقوق الطفل فى الخصوصية، التعليم، واللعب، مع دمج آراء الأطفال أنفسهم. كما تدعو منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية (OECD) إلى إرشادات تحترم حقوق الطفل فى البيئة الرقمية.
إن المبادرة الرئيسية تتشابه مع ما قامت به الحكومة الاسترالية فى ديسمبر 2025، من حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا، وأجبر القانون الاسترالى المنصات، مثل: تيك توك وإنستجرام ويوتيوب، على إزالة حوالي4.7 مليون حساب يعود لأطفال أستراليين، مع غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالى للمخالفين.
أما فى فرنسا، فقد وافق البرلمان فى يناير 2026 على مشروع قانون يحظر الوصول إلى وسائل التواصل لمن هم دون 15 عامًا، مدعومًا من الرئيس إيمانويل ماكرون الذى وصفه بـ «خطوة كبرى» لحماية الأطفال. ويتضمن القانون قائمة بالمنصات «الضارة»، ويتطلب آليات تحقق من العمر متوافقة مع قوانين الاتحاد الأوروبي. وكانت فرنسا قد أصدرت قانوناً عام 2018 بمنع الهواتف فى المدارس للأطفال بين11 و15 عاماً، مع التركيز على مخاطر التنمر الإلكترونى والمحتوى العنيف.
وفى بريطانيا، يمثل قانون السلامة عبر الإنترنت نموذجًا أكثر شمولاً، حيث يفرض على المنصات مثل فيسبوك وتويتر (إكس) واجب رعاية لمنع الأطفال من الوصول إلى المحتوى الضار، بما فى ذلك التحقق من العمر، وإزالة المواد المتعلقة بالانتحار أو اضطرابات الأكل. وبدأ تنفيذ بعض الأحكام فى يوليو 2025، مع التركيز على حماية الأطفال من التنمر والمحتوى المسيء دون حظر كامل، بل من خلال تعزيز الرقابة والشفافية. وتأتى المبادرة الرئاسية لتضع مصر فى المرتبة الرابعة بين دول العالم التى نظمت استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي. إن هذه الخطوة ليست مجرد حظر أو منع، بل استثمار فى مستقبل الأجيال، وبالتالى لابد من دعمها وسرعة إصدار قانون شامل ينظم ستخدام النشء لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحقيق الأمن الرقمى وحقوق الإنسان الرقمية. ولابد أيضًا من تنفيذ فعال، يمكن أن تصبح مصر نموذجًا لدول الجنوب فى مواجهة تحديات العصر الرقمي، إذ لا يخفى أن تنفيذ مثل هذا القانون يواجه تحديات مثل الالتفاف عبر VPN أو الحسابات المزيفة، مما يتطلب تعاونًا دوليًا، ودعمًا تقنيًا من منصات وسائل التواصل الاجتماعى نفسها، ومن وزارة الاتصالات، علاوة على دور فاعل من الأسرة والمدرسة، لشرح إيجابيات هذا القانون، وضرورة تطبيقه من أجل صالح المجتمع.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







