إنها مصر

وكانت أيامًا ثقيلة!

كرم جبر
كرم جبر


لم تكن أحداث يناير ٢٠١١ احتجاجات «سلمية» كما زعم الإخوان، كانت «وحشية» ومحاولة صريحة لتقويض أركان الدولة، لم يكن الهدف إصلاحاً، بل كان سعياً حثيثاً لإقامة إمارة الخلافة، ومحو الهوية والتاريخ وإسقاط العلم والنشيد، وإحلال ثقافة «السيف والجلاد» محل مدنية الدولة وقوتها الناعمة.
وخرج البلتاجى يعلنها بلا مواربة: «العمليات فى سيناء ستتوقف فى اللحظة التى يعود فيها المعزول»، يعنى دماء الجنود وأرواحهم كانت رهينة فى يد الجماعات الإرهابية، تدعمهم الفضائيات الشريرة فى الميادين، وتبث سمومها على الهواء، بينما خلف الكواليس تُجهَّز المتاريس والسنج والقنابل والمتفجرات.
كانت أيامًا ثقيلة.. تعذيب أبرياء على أسوار الاتحادية، وحصار المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامى، ومسيرات كل جمعة بالبنادق والمسدسات والسنج والسيوف، تحت إدارة «دولة المقطم» التى حكمها المرشد والشاطر ونائب عام «ملاكي» وإعلانات دستورية استبدادية.
ولم يكن المشهد المصرى معزولًا عن محيطه. فى دولة شقيقة مجاورة ظهر «فالح الربيعي» الشهير بـ«أبو عزرائيل»، الذى صلب شابًا بالمقلوب وأحرقه وقطّعه كخروف مشوى وسط زغاريد النساء وتصفيق الأطفال، والعالم العربى بدأ فى إنتاج «سفاحين» بملامح أبطال أفلام رديئة، رؤوس صلعاء ولحى كثيفة ملطخة بالدم.
وهنا نسأل: هل كنا سنصل إلى هذا المصير لو استمر هؤلاء فى حكم مصر؟
فى مشهد آخر من شريط الكآبة، يظهر أبو بكر البغدادي، يقطع الرقاب بقنابل متفجرة، لتعلو نوافير الدم أمام أعين «أطفال المستقبل» الذين يُدرَّبون على الذبح بدل الطب والهندسة، والمفارقة أن القاتل والقتيل والجمهور جميعهم يرفعون رايات إسلامية، بينما الدين الحنيف بريء من هذه الجاهلية الدموية.
وانكشف الغطاء وأثبتت التجربة أن هذه التيارات لا علاقة لها بالدين، بل هى شهوة الحكم وأطماع السلطة، تتخفى خلف شعارات الخلافة والسيف ووعود «المنّ والسلوى» التى بشر بها قادة الإخوان، ولم تُثمر إلا أنهارا ودماء، وغربانًا تبحث عن خرابات لتعشش فيها، أرادوا اقتيادنا إلى نفق مظلم لا يعلو فيه صوت فوق صوت الأهل والعشيرة.
القوة الناعمة التى لا تموت كانت أقوى من أوهامهم، لم يستطيعوا وأد استنارة طه حسين والعقاد، ولا تشويه وطنية الشيخ المراغى وانفتاح محمد عبده، وفشلوا فى محو هوية هدى شعراوي، وعجزوا عن إسكات صوت أم كلثوم وهى تشدو لمصر، أو خنق ألحان عبدالوهاب وهو يناجى الوطن.
استعادة هذه الذكريات ليست نكئًا للجراح، بل شهادة للتاريخ، وسؤال بأثر رجعى: ما مصير مصر «لو» استمروا فى الحكم؟.. نعم، «لو» تفتح عمل الشيطان، لكن النظر فى مصائر الجوار يكشف قيمة الدولة الوطنية التى استردت روحها من بين أنياب منعدمى الوطنية.. ما عشناه لم يكن صراعًا على كرسى حكم، بل معركة على بقاء الدولة نفسها وشعبها وحدودها وسيادتها، فى مواجهة حشود متطرفة .