قضية ورأى

نهضة مصر: سرد الهوية عبر الفن

البدوى محمد
البدوى محمد


البدوى محمد

يزخر التاريخ الإنسانى بتجارب تحرر وطنى صنعتها الأمم عبر قواها الناعمة، دون بيادق وبنادق أو ميادين قتال، وفى التجربة المصرية الحديثة، تحولت ثورة 1919 من فعل شعبى صدامى إلى طاقة بناء حضاري، تقوض سرديات الاستعمار وتُعيد ترميم الوعى الوطني، وتعزيز الهوية فى مختلف المجالات.
ويُعد مشروع تمثال «نهضة مصر»، ذروة هذا الحراك، حيث التحم الفن بالخيال الوطني، وتجاورت الرؤية الجمالية مع الفكر والوعى الثقافي، لتتجسد لحظة نادرة التحمت فيها الإرادة الجمعية عبر الاكتتاب الشعبي؛ وهكذا غدا الفن والجمال قاطرةً للتحرر، وفى حفل الافتتاح قال أمير الشعراء أحمد شوقي: «لقد بعث الله عهد الفنون وأخرجت الأرض أمثالها».
التمثال فى هذا السياق ليس عملًا نحتيًا مجردًا، بل تتويج لحركة فكرية صاحبت الثورة، حين انطلق المصريون فى استعادة هويتهم من حيث تبدأ الأمم العريقة: من صناعة المعنى والقيمة والأثر، ومن هنا يبرز التحول الأعمق فى مفهوم الثورة التى بدأت مع سيد درويش وهو يستنهض المواطن بوصفه فاعلًا حضاريًا، منشدًا كلمات بديع خيرى الخالدة: « قوم يا مصري، مصر دايمًا بتناديك»، ثم جاءت استجابة مختار لصوت درويش، لتخلد تفاعل الذاكرة الفنية مع قضايا الوطن، وتنقل المكنون الحضارى من الصوت والكلمة إلى الحجر.
والمشروع فى جوهره حوار وطنى مفتوح، لا مجرد عمل فنى يخضع لذات الفنان، إذ دار حوله جدل فكرى وثقافى عكسَ حيوية اللحظة التاريخية وعمق أسئلتها، فحين عرض النموذج الأول، أبدى العقاد تحفظه على هيئة أبى الهول، معتبرًا أنها لم تلامس بعد الجذر المصرى الخالص؛ فتلقى مختار الملاحظة بروح الفنان الواعى بدوره الحضاري، وأعاد تشكيل الرمز بما يرسخ أصالته، وفى المقابل، رأى طه حسين فى التمثال تأسيسًا لذائقة وطنية جديدة تعبر عن مصر وهى تعيد تعريف ذاتها: حديثة فى رؤيتها، ممتدة فى جذورها، ومنفتحة على العصر دون قطيعة مع هويتها.
وتتجلى الشخصية المصرية بوضوح فى ملحمة الاكتتاب الشعبي، حيث ساهم الفقراء قبل الأغنياء، وتحول المجتمع إلى ما يشبه الدولة المعنوية التى تُمَوِّل وتحرس هويتها، وتكشف هذه التجربة عن أحد ثوابت الشخصية الوطنية المصرية: القدرة على إنتاج النهضة من داخل المجتمع، حين تتحول الثقافة إلى سلاح، والفن إلى طاقة بناء، ويغدو الجمال فعلًا من أفعال التقدم.
وتكمن فرادة تمثال نهضة مصر فى كونه قطعة فنية حضارية زمانية مركبة؛ كأنه «موناليزا الزمن» ينظر فى كل الاتجاهات الزمانية، تراه خارجًا من صمت الماضى كأنه أثر فرعونى من جرانيت أسوان القديم يحمل ذاكرة الحضارة الأولى، وتدركه فى الآن نفسه تصويرًا للواقع المعاصر بهيبة وجلال، قبل أن يشير إلى المستقبل امتدادًا لمسار تاريخى متصل.
هكذا يغدو التمثال لحظة التقاء نادرة تتجسد فيها الهوية المصرية عبر الفن والزمن، وتدعو كل مَن يتأملها إلى أن يكون شريكًا فى قصة نهضة وطنه، لا مجرد شاهد عليها.
باحث علوم سياسية