روبرت فيرنيو
يقع موقع تل العمارنة الأثرى بوادى النيل، فى منتصف المسافة بين مدينتى منف وطيبة وقد نشر الأب المبشر كلود سيكارد، الذى تجول عبر المنطقة فى بداية القرن الثامن عشر، فى عام 1717 سردًا لرحلاته الاستكشافية، فضلاً عن رسم لإحدى مسلات تل العمارنة ولا يذكر ما تبقى من المعابد من آثار أو المساكن الواقعة على الضفة الشرقية وربما كان يسافر فقط على طول الضفة الغربية.
وفى عام 1738، حدد الكابتن البحرى الدنماركى فريدريك لودفيج نوردن موقع بنى عمران حيث كانت هناك أربع قرى مجاورة، لكنه لم يأت على ذكر الآثار.
وكان لزامًا الانتظار حتى بداية القرن التاسع عشر والبعثة المصرية لتكوين معرفة عن الموقع الأثرى فى مجمله، وذلك بفضل الخطة التى وضعها أعضاء البعثة.
وتقع على طول الموقع الأثرى من الشمال إلى الجنوب ثمانى قرى عربية، هي: الجزيرة، والحواتة، وجرف الحواتة، ونزلة الغطاينة، والأميرية، والحاج قنديل، والتل، ونزلة التل.
وعُرف كل ذلك تحت الاسم الشائع «العمارنة» واليوم، يُستخدم هذا الاسم العام «العمارنة» للإشارة إلى قطاع المبانى القديمة ونجده فى صيغة «عمارنة» أو «العمارنة» أو حتى «تل العمارنة»، حيث تشير الثلاثة أسماء إلى بقايا آثرية على الضفة الشرقية.
وأطلق المصريون القدماء على الموقع بأكمله اسم «أفق أتون»، وفى اللغة المصرية القديمة «أخيت أتون»، وبالهيروغليفية كذلك.

وتشهد منشورات عالم المصريات البروسى كارل ريتشارد ليبسيوس، فى منتصف القرن التاسع عشر، على تقدم الأبحاث التى أجريت فى المنطقة والتى حددت أمنحتب الرابع باعتباره الفرعون صاحب الآثار وتشتمل تلك المنشورات على رسوم توضيحية ثمينة.
قبل الحرب العالمية الأولى، تم أخذ نسخ طبق الأصل من المسلات وجدران المقابر من قبل فريق إنجليزي، تحت إشراف نورمان ديفيز، و«بعثة المسح الأثرى لمصر» التى تعمل لصالح الفريق الإنجليزي، وذلك بالإضافة إلى أوربان بوريانت، وجورج ليجرين، وجوستاف جيكوير نيابة عن المعهد الفرنسى للآثار الشرقية.
وبالتوازى مع أعمال النشر، أجريت حفريات أثرية واسعة النطاق على الأرض من قبل فريق ألمانى بقيادة عالم المصريات لودفيج بورشاردت. وتميزت حملة عام 1912 باكتشاف تمثال نفرتيتى الشهير، والذى كان مهجوراً وسط أنقاض مسكن مدمر.
وقد أجريت حفريات أكثر منهجية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين. وفى عام 1977، واصل «أعضاء جمعية استكشاف مصر» أبحاثهم فى أثناء قيامهم بعمليات الحفاظ على الآثار وتحسين الموقع.
حيث إن موقع تل العمارنة ليس استثنائيا فقط لكونه مقر إقامة الملكة الشهيرة نفرتيتى وتوت عنخ آتون ( أصبح فى المستقبل توت عنخ آمون)، ولكن أيضا لأنه فى المقام الأول عبارة عن مجمع معمارى انبثق عن الأرض وفقا لإرادة شخصية مذهلة، هو الفرعون إخناتون. إذ تم بناء تل العمارنة على أرض بكر خالية من أى استيطان سابق، وتم التخلى عنها من قبل سكانها بعد عشرين عامًا فقط من تشغيلها.
وتم تفكيك المبانى الرسمية، التى تم بناؤها باستخدام كتل الحجر الجيرى الصغيرة وبأبعاد صغيرة، بشكل منهجى بعد هجران المدينة وقد أعيد استخدام الكتل فى بناء المعالم الأثرية اللاحقة، وخاصة فى مدينة هيرموبوليس القريبة.
ولكن المنازل الكبيرة المبنية من الطوب اللبن لم تتعرض لانتقام خلفاء الملك حيث إنها تشكل عددًا كبيرًا من الهضاب الصغيرة المستديرة المغطاة بالرمال والتى تسمى تلال، وفى وسطها يوجد جدران محفوظة جيدًا نسبيًا.
وانتقل عالم المصريات فرانسيس إل. جريفيث، فى أثناء إقامته فى الموقع لإجراء الحفريات، للمعيشة فى منزل يعود تاريخ جدرانه وأرضياته إلى حوالى 3000 عام.
ومن المؤسف أن التطور الحالى للنشاط البشرى على طول وادى النيل يتعدى تدريجيا على المناطق الأثرية وهو ما يؤدى إلى اختفاء بشكل منتظم لآثار ثمينة موجودة فى باطن الأرض تحت الغطاء النباتى أو المساكن الحديثة.
وتُظهِر أمثلة من الماضى القريب لإنشاء مدن جديدة، مثل برازيليا التى أصبحت عاصمة الدولة البرازيلية أو نايبيداو فى بورما مؤخراً، الرغبة فى تخفيف الازدحام فى المدن القديمة من خلال نقل الهياكل الإدارية للدولة إلى مواقع جديدة.
وفى هذه الأمثلة، فإن الاكتظاظ السكانى الذى يشل حركة السكان ووظائف المؤسسات هو الذى حفز بناء وتنظيم مساحات جديدة حيث يمكن نقل الخدمات والسكان ومن خلال هذه المدن الجديدة، تمكنت السلطات من تحسين تنظيم الأراضى الجديدة، وتحسين الشبكات الحضرية، وتوقع التطورات الديموجرافية.
ولتخفيف الازدحام فى مدينة القاهرة، تدرس مصر المعاصرة بدورها نقل أكثر من 15 مليون نسمة، بالإضافة إلى الوزارات والأجهزة الرئيسية للدولة، إلى عاصمة جديدة تقع على بعد 45 كيلومتراً شرق القاهرة وهذا المشروع الحكومى قيد الإنشاء حاليًا وسيمتد على مساحة 720 كيلومترًا مربعًا.
غير أن إنشاء أخناتون لمدينة تل العمارنة لم يكن بسبب مشكلة الاكتظاظ السكاني.
وقد انكب العديد من المؤلفين على دراسة هذه المسألة، والعلاقة بين إخناتون وتل العمارنة، وفترة تل العمارنة بشكل عام. إذ كان الموقع والمسلات والمقابر موضوعًا لمنشورات مفصلة للغاية فى جمعية «المسح الأثرى لمصر». وتوفر المصادر الوفيرة أيضًا نظرة ثاقبة على الحياة اليومية للسكان.
ومؤخرًا، نشر ديمترى لابورى ومارك جابولد كتبًا ومقالات عديدة عن فترة تل العمارنة. حيث تتناول تفصيلًا فى هذه المخطوطات تاريخ العائلة المالكة والأحداث الرئيسية فى تلك الفترة وجوانب مختلفة لمدينة تل العمارنة.
وقد اكتملت معرفتنا مؤخرًا من خلال دراسات جوسلين ويليامسون عن قطاع كوم النانة على الحافة الجنوبية، وكذلك دراسات فران ويذرهد وزميله آلان بى لويد عن زخرفة القصور.
كما نشر بارى كيمب، المدير السابق للحفريات البريطانية فى تل العمارنة والذى نفتقده كثيرًا، وصفًا أثريًا شاملًا للغاية للمدينة الشمسية.
ويتناول تحليله ذو الأهمية الكبيرة آثار ووظائف المدينة المنطقة تلو الأخرى. وفى كل عام، تقوم البعثة البريطانية بإخطار المجتمع العلمى باكتشافاتها وأعمالها الميدانية.
إن التحليلات التاريخية لسبعة عشر عاماً من حكم أمنحتب الرابع أخناتون، والتى تعود عموماً إلى الفترة من عام 1347 إلى عام 1330 قبل الميلاد، غالباً ما لا تأخذ فى الاعتبار أنشطة الملك قبل العام الخامس.
ومع ذلك، فإن الأسباب التى دفعت الملك إلى مغادرة المنطقة، وبعيداً عن كونها أسبابًا غير مقنعة، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالإصلاحات التى نفذها فيها حيث إن المكانة التى أعطيت للملك فى البناء المعمارى وتخطيط الأراضى فى تل العمارنة هى تطبيق، على أرض بكر، للأفكار التى ظهرت فى بداية حكمه.
فى السنوات الأولى من حكم أمنحتب الرابع أخناتون فى طيبة، فرض الملك الأسبقية لإله على شكل الشمس «آتون»، مما أدى على الفور إلى الإضرار بالإله آمون.
وبعد ذلك، يستولى الملك، مع صلاحياته الجديدة، بالإضافة إلى السلطة الدنيوية، على السلطة الدينية.
وكما سنرى، أمر الملك بمنشآت جديدة فى طيبة، إلى الشرق من معبد الكرنك، وكان دائمًا يعيد إلى هذا القطاع القصر الملكي، والإدارات الحكومية، ومساكن كبار المسؤولين، والورش والخدمات الأساسية لحسن سير العمل فى المجمل.
وقد دفعه سعيه إلى مواصلة الإصلاح إلى مغادرة طيبة والأراضى المحيطة بها شرقى الكرنك إذ إن المساحة المخصصة للإنشاءات الجديدة المخصصة للدولة ولأتون أصبحت صغيرة للغاية. وبالتالى أصبح بحاجة إلى مساحة أكبر لتنفيذ إصلاحاته. ولكى نفهم تل العمارنة، فمن المهم أن نعود إلى النقاط الرئيسية للإصلاح الذى أدى إلى إنشائها.
ما قبل تل العمارنة
فى نهاية فترة حكمه، نقل أمنحتب الثالث، والد أخناتون، البلاط الملكى من ممفيس إلى طيبة وقد أعطى هذا النقل زخمًا من نوع ما لتنمية منطقة طيبة. وشهد معبد آمون فى الكرنك تغييرات مذهلة مع إضافة بوابتين ضخمتين، واحدة عند المدخل الغربى لمعبد الكرنك (البوابة الثالثة حاليًا)، والأخرى على المحور الجنوبى (البوابة العاشرة حاليًا). وقد قام الملك بأعمال كبرى لتوسيع المحور الشمالى الجنوبى للمعبد باتجاه معبد الأقصر، فيما كانت البوابة الجنوبية للكرنك قيد الإنشاء وقت وفاته.
كما شهد معبد الأقصر، على الضفة الشرقية لطيبة، تطوراً معمارياً ملحوظاً مصحوباً بمشاهد من الزواج الإلهى الذى يشبه الإله آمون بوالد أمنحتب الثالث وقد تم بعد ذلك تغطية الرواق الكبير الجديد للمدخل إلى المعبد بمشاهد تصور مهرجان الأوبت الذى يهدف إلى تجديد القوى الإبداعية لآمون وفى نفس الوقت الوظيفة الملكية التى يمارسها ابن الإله للعام المقبل.
هذا فضلاً عن احتفالات فخمة شارك فيها السكان وأبرزت الجوهر الإلهى للملكية وعلى نفس المنوال، كان معبد كوم الحيتان الواقع على الضفة الغربية لطيبة مخصصًا بالكامل لعبادة أمنحتب الثالث خلال حياته. وكانت المنحوتات الضخمة التى تجسد الملك تشغل المبنى بأكمله.
وأخيرًا استقر البلاط الملكى على مقربة من هناك، إلى الجنوب على الضفة الغربية، فى القصر الملكى المهيب فى الملقطة.
وفى هذه البيئة المعمارية اعتلى أخناتون المستقبلى العرش. وستؤدى السنوات الخمس الأولى من حكمه إلى قلب تنظيم عاصمة طيبة رأسًا على عقب ثم قام الملك الجديد بتنفيذ إصلاحات أدت إلى تعديل طبيعة المبانى الرمزية الملكية.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







