«الاقتصاد» بالنسبة للمواطن ليس مؤشراً على شاشة بلومبرج، بل هو سعر طبق البيض، وتكلفة مواصلات الأبناء.
عادت الدولة المصرية من جبال «دافوس» السويسرية قبل أيام، وهى لا تحمل فقط حقيبة مليئة بالاتفاقيات الاقتصادية، بل تحمل ما هو أثمن؛ «شهادة ثقة» دولية فى قدرة الدولة على الصمود والنمو. لقد كان الحضور المصرى فى منتدى الاقتصاد العالمى لهذا العام استثنائياً بكل المقاييس، حيث تجلى ذلك فى الصورة المشرفة والقوية التى ظهر بها الرئيس عبد الفتاح السيسى والوفد المرافق له، وكانت مبعث فخر لكل مصرى وعربي، وهى تؤكد أن القاهرة لم تعد تكتفى بالحضور، بل باتت مدعوة للمشاركة فى صياغة القرار العالمي.
قد يتساءل البعض: ما علاقة هذه القمم البعيدة فى جبال الثلج بميزانية الأسرة المصرية وجيوب المصريين وما أهميتها لنا ؟ والإجابة تكمن فى «قوة الصورة». إن النجاح الاستثنائى لمصر فى «دافوس» واللقاءات مع قادة القوى العظمى، وفى مقدمتهم الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب»، هى التى تبنى «جدار الثقة» الذى يحتاجه المستثمر العالمى وهو يتابع أهم موتمر اقتصادى بالعالم.
هذه الصورة الإيجابية هى أحد محركات تدفق رءوس الأموال، وهى أحد ضمانات استقرار سعر الصرف وكبح جماح التضخم، فكل نجاح سياسى فوق قمم سويسرا، وحول العالم يترجم بالضرورة إلى فائدة تعود على بيوت المصريين.
ومصر، بذكاء، تحاول حجز مقعد فى سلاسل التوريد العالمية الجديدة. ونجاحها فى ذلك يعنى جلب استثمارات وتوفير فرص عمل.
ولم يكن الحضور المصرى اقتصادياً فحسب، بل كان ضميراً حياً للمنطقة. لقد نجحت القيادة المصرية فى انتزاع اعتراف دولى بضرورة «استقرار المنطقة العربية» كشرط أساسى للتنمية. ومن هنا جاء طرح القضية الفلسطينية بوضوح وحسم؛ لإدراك مصر أنه لا نمو اقتصادياً مستداماً فى إقليم يشتعل. كان دفاع مصر عن حقوق الشعب الفلسطينى ومطالبة العالم بإعمار غزة، رسالة بأن القاهرة هى «صمام الأمان» فى الشرق الأوسط، وأن قوتها الاقتصادية هى خير سند لقضايا أمتها العربية.
وفى ملف «سد النهضة»، استثمرت مصر زخم دافوس لتؤكد للعالم أن الحقوق المائية ليست مجالاً للتفاوض أو المماطلة، بل هى «حياة أو موت». إن طرح هذه القضية فى محفل اقتصادى عالمى ذكَّر الجميع بأن استقرار المنطقة مرتبط باستقرار «شريان الحياة» فى مصر. لقد وضع الرئيس السيسى المجتمع الدولى أمام مسئولياته، موضحاً أن الاستثمار فى مصر هو استثمار فى الاستقرار، وأن هذا الاستقرار يمر حتماً عبر حل عادل وشامل يحفظ حقوق مصر المائية التاريخية.
إن مشاركة مصر فى دافوس 2026 لم تكن مجرد تمثيل بروتوكولى لدعوة على الهامش، بل كانت إعلاناً عن «الجمهورية الجديدة» التى تتحدث لغة العالم وتتمسك بثوابت الوطن. لقد رأينا فى عيون العالم تقديراً لمصر القوية، المستقرة، والواثقة، وهو ما يفتح أبواب الأمل لمستقبل اقتصادى نتمنى أن يلمس أثره كل مواطن.
ولكى تتحول هذه الصورة الدولية المبهرة إلى واقع ملموس فى حياة المواطن، يجب أن يكون الطريق من «دافوس» إلى «جيب المواطن» واضحاً وقصيراً.
إن التحدى الحقيقى يكمن فى ترجمة زخم الثقة الدولية إلى سياسات اقتصادية جريئة تحفز القطاع الخاص وتزيل المعوقات البيروقراطية، وتطلق العنان لطاقات الملايين من الشباب الطموحين. فالمستثمر العالمى لا يبحث فقط عن الاستقرار السياسى فقط، بل يبحث أيضاً عن كفاءة الإدارة وسيادة القانون وسرعة الإنجاز. لذلك، فإن اللحظة التاريخية التى صنعتها القيادة على الساحة الدولية تفرض مسئولية استثنائية على كل مؤسسات الدولة لتكون على نفس مستوى الثقة، والعمل بكل طاقتها لضمان أن تتحول كل اتفاقية وكل مصافحة إلى فرص عمل، وإلى استقرار فى الأسعار، وإلى تحسن ملحوظ فى مستوى المعيشة..
«الاقتصاد» بالنسبة للمواطن ليس مؤشراً على شاشة بلومبرج، بل هو سعر طبق البيض، وتكلفة مواصلات الأبناء، ودفع فواتير الشهر والقدرة على شراء دواء لم يختفِ من الصيدليات.. لن ننتصر على الغلاء بشراء الذهب وتخزينه، بل بقدرة الحكومة على كسب ثقة المواطن ليحول مدخراته من سبيكة إلى طاقة إنتاج تملأ الأسواق بعبارة 'صنع فى مصر'.

من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟
الطلاق فى زماننا
مشنقة النفاق الاجتماعى







