في ذكرى رحيلها.. فاتن حمامة أيقونة تجاوزت الزمن

فاتن حمامة
فاتن حمامة


قبل أحد عشر عاما رحلت فاتن حمامة. لكنها لم تغب، لا تحتاج إلى تعريف، فهى أسطورة وضمير فني نادر.. ممثلة لم تكتف بالنجومية، بل جعلت من السينما مساحة للتنقيب في عمق المجتمع، بحثا عن الاستثناءات والندوب الخفية، لتمنحها وجها وصوتا وحياة على الشاشة.

لم تكن أدوارها مصادفة، بل اختيارات واعية، انحازت فيها للإنسان المهمّش، وللمرأة المحاصرة بالقيود الصامتة، وللأسئلة المؤجلة التى ظلت خارج الخطاب السائد.

◄ اقرأ أيضًا | فاتن حمامة.. قدرة استثنائية على التنوع امتدت لأكثر من ستة عقود

◄ ملكة السينما

لم تكن فاتن حمامة ممثلة تجسد أدوار النساء بقدر ما كانت تعيد تعريف صورة المرأة على الشاشة العربية. فى زمنٍ هيمنت فيه القوالب الجاهزة، اختارت أن تكسر النمط، وأن تقدم شخصيات نسائية معقدة، تحمل ضعفها وقوتها فى آن واحد، وتعيش صراعًا داخليا لا يقل حدة عن الصراع الخارجي.

من الفتاة الريفية فى "دعاء الكروان"، إلى المرأة المقهورة فى "الحرام"، ثم الزوجة والأم التى تواجه تحولات المجتمع فى "إمبراطورية ميم"، كانت أدوارها تعكس تحولات المرأة المصرية نفسها، لا بوصفها تابعًا للرجل، بل باعتبارها فاعلا أساسيا فى المشهد الاجتماعي.

قدمت المرأة بوصفها كائنا مفكرا، يخطئ ويصيب، ينهزم ويقاوم، ويعيد اكتشاف ذاته. لم تعتمد على البكاء أو الانفعال المفرط، بل على الصمت، والنظرة، وتفاصيل الأداء الدقيقة، وهو ما منح شخصياتها صدقًا نادرًا، وجعلها قريبة من وجدان الجمهور.

الأهم أن فاتن حمامة لم تفصل بين الفن والموقف. اختياراتها كانت واعية، منحازة لقضايا العدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، وتناقضات السلطة الأبوية. لذلك بدت أفلامها، حتى تلك التى قُدمت قبل عقود، معاصرة لأسئلة اليوم، وكأنها كُتبت لزمن لم يأتِ بعد.

بهذا المعنى، لم تكن فاتن حمامة نجمة مرحلة، بل صوت ممتد عبر الأجيال، ساهم فى تشكيل وعى بصرى وثقافى جديد، وجعل من السينما أداة لفهم المجتمع، لا مجرد وسيلة للترفيه.

بدأت حمامة التمثيل وهى فى السابعة من عمرها، بعد أن أشركها والداها فى مسابقة جمال، حيث اكتشف أحد المخرجين موهبتها. وسرعان ما وقفت أمام موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فى فيلم "يوم سعيد" (1939). ومنذ ذلك الحين، شاركت فى أكثر من مئة فيلم، عبر مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود.

ومن أشهر أدوارها وأكثرها تأثيرا، دور آمنة في فيلم "دعاء الكروان" (1959)، المأخوذ عن رواية طه حسين التى تحمل الاسم نفسه. قدّمت أداءً آسرا، جسدت فيه حياة فتاة ريفية تسعى لاستعادة شرف العائلة بعد مقتل شقيقتها على يد عمها، بسبب إغوائها من مهندس شاب، أدّى دوره الفنان أحمد مظهر.

◄ نشرته «آخرساعة» عام 1954.. مقال نادر لسيدة الشاشة العربية

سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لم تكن موهوبة فقط فى التمثيل، لكنها برعت أيضاً فى الكتابة، وهو ما ظهر فى مقال نادر كتبته لمجلة «آخرساعة» ونشر بتاريخ ٢٦ مارس ١٩٥٤ ونعيد نشره.

◄ بصمة درامية

لم تقتصر بصمتها على السينما وحدها، بل امتدت بقوة إلى الدراما التلفزيونية. ففى عام 1991، حققت نجاحًا لافتا من خلال مسلسل «ضمير أبلة حكمت»، من إخراج إنعام محمد علي، وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة. قدّمت فيه شخصية المعلمة والناظرة حكمت هاشم، التى تخوض معركة تربوية وإنسانية داخل المدرسة، وتسعى إلى إصلاح منظومة التعليم، قبل أن تحاول تعميم تجربتها بعد حصولها على ثروة مفاجئة.

وكان مسلسل «وجه القمر» (2000) آخر أعمالها الفنية، حيث جسّدت شخصية المذيعة ابتسام البستاني، التى تعيش حياة أسرية مستقرة، قبل أن تنقلب حياتها رأسًا على عقب بعودة زوجها الأول، الذى كانت تعتقد أنه توفي. العمل من تأليف ماجدة خير الله، وإخراج عادل الأعصر، واختتمت به فاتن حمامة مسيرة فنية طويلة، اختارت أن تنهيها بهدوء يليق بتاريخها.

◄ محطات خالدة

شكّل فيلم «صراع فى الوادي» (1954)، الذى جمعها بعمر الشريف نقطة الانطلاق الحقيقية لنجومية فاتن حمامة، وبوابة عبورها إلى الصف الأول فى السينما العربية، ومن بعده، توالت أعمال أصبحت اليوم من كلاسيكيات الشاشة، لا بوصفها نجاحات جماهيرية فقط، بل بوصفها محطات فارقة فى تطور لغة السينما وصورة المرأة على الشاشة.

من بين هذه الأعمال.. «دعاء الكروان»، «الحرام»، «نهر الحب»، «لا أنام»، «الباب المفتوح»، «إمبراطورية ميم»، «سيدة القصر»، و«أيامنا الحلوة».

أفلام رسخت نموذجا جديدا للبطولة النسائية، قائما على العمق الإنسانى والصراع الداخلي، لا على الزخرفة أو الميلودراما الفارغة.

ويعد فيلم «دعاء الكروان» (1959) ذروة نضجها الفني، حيث قدّمت واحدًا من أعظم أدوارها على الإطلاق، فى اقتباس سينمائى لرواية عميد الأدب العربى طه حسين، وإخراج هنرى بركات.. جسّدت فيه شخصية «آمنة»، الفتاة الريفية التى تلتحق بالعمل فى خدمة مهندس الرى بالقرية، سعيًا للانتقام لدم شقيقتها التى قُتلت بعد أن وقعت فى حبه. إلا أن الصراع الأخلاقى والإنسانى يعصف بها، فتنهار فكرة الانتقام أمام تعقيدات المشاعر والوعي.

ووفقًا لما نشرته جريدة «أخبار اليوم»، حصلت فاتن حمامة على جائزة أعظم ممثلة فى الشرق، وكادت أن تنال لقب أعظم ممثلة فى العالم خلال مشاركتها فى مهرجان برلين، لولا اعتبارها «إفريقية»، وهو ما حرمها من الجائزة، رغم الاستقبال الحافل الذى حظيت به من الجمهور لحظة صعودها إلى مسرح عرض الفيلم.

ولم يكن هذا التقدير استثناءً؛ إذ اختار النقاد 18 فيلمًا من أعمالها ضمن قائمة 150 فيلمًا تمثل أهم ما أنتجته السينما المصرية، فى احتفالية مرور مئة عام على انطلاقها. كما نالت ميدالية الشرف من الزعيمين جمال عبدالناصر وأنور السادات، تقديرًا لمكانتها الفنية ودورها الثقافي.