فى التاسع عشر من يناير الجارى مرت علينا الذكرى 47 لرحيل الفنان القدير صلاح منصور، عمدة كل العمد بالقرى والكفور والنجوع والأقاليم، عمدة بحق وحقيق اختاره المخرج صلاح أبو سيف لتجسيد تلك الشخصية فى فيلم «الزوجة الثانية» مع شكرى سرحان وسعاد حسنى وسناء جميل، وهو فى الحقيقة «عمدة» السينما المتنوع والمتألق فى أدوار الشرير والمخادع، الرجل الداهية المناور، والباشا الذى يتسم بقسوة القلب، وتسلط القوة الذى يسرق الكاميرا من كل عتاولة التمثيل. التقيته لأول مرة فى بروفات مسرحية «واحد مش من هنا» للمخرج سيد راضى، وحرصت على الاقتراب منه طوال البروفات وليالى عرض المسرحية ليحدثنى عن محطات متفرقة من حياته، وأحيانا كنا نلتقى قبل العرض بساعة، ليروى لى وهو يضع مكياج الشخصية لنفسه، وعندما داهمه المرض الذى كان يقاومه بالعمل ذهبت لزيارته مع المخرج سيد راضى، كان راقدًا فى سريره، سألنى عن أحوال المسرح فقلت له إننى شاهدت ممثلًا شابًا رائعًا يجسد شخصية «هاملت»، ويبدو أننى حركت فى داخله ما جعله يقول إن «هاملت» هو الذى صنع مجده فى بداية الطريق، أحبه وعشقه وذاب فيه، وتذكر كيف كان يلقن تلاميذه أداء هذه الشخصية المعقدة عندما عمل مدرسًا ثم موجهًا ثم مديرًا لإدارة المسرح المدرسى. نظر لنا قائلًا «اعتقد أننى أملك ما أستطيع إضافته لمسرحية هاملت لو لعبتها مرة أخرى»، أخذه الحماس وراح يتقمص «هاملت» فأستوقفه السيد راضى بعد أول منولوج حرصًا على صحته المعتلة من انفعالات الشخصية الصعبة المعقدة، غادرنا بيته ونحن نتعجب من روح هذا الفنان العظيم الذى لا يترك التمثيل حتى وهو طريح الفراش، وبعدها بفترة وجيزة أبلغنى السيد راضى بأن صلاح منصور تم نقله لمستشفى العجوزة التى رحل بها فى 19 يناير من عام 1979 عن عمر يناهز 56 عامًا، واليوم نحيى ذكراه الـ 47 .
قال لى القدير صلاح منصور - من ضمن ما قال - إنه لم يكن يحلم بأن يكون ممثلًا. كان كل حلمه أن يكون ضابطًا فى الجيش لكى يحقق حلم والده. حصل على البكالوريا وتقدم بأوراقه للمدرسة الحربية ولم يوفق وتبدد الحلم، وانضم فى عام 1940 إلى أسرة تحرير «روزاليوسف» ونشر بها أول حوار أجراه مع المطربة أسمهان، وفجأة ترك مهنة البحث عن المتاعب وليلتحق بوظيفة بوزارة المعارف، وعندما أسس زكى طليمات معهد التمثيل كان صلاح منصور من أول الملتحقين به وأصبح من المقربين لقلب وعقل زكى طليمات الذى رشحه بعد التخرج لتدريس مادة التمثيل بالمسرح المدرسى، وضمه لفرقة المسرح الحديث التى أنفصل عنها ليؤسس مع زملائه فرقة المسرح الحر التى قدمت «زيارة السيدة العجوز - رومولوس العظيم - زقاق المدق - يا طالع الشجرة - الناس اللى تحت»، وعمل مع السيد بدير فى الإذاعة فى «هاملت - فاوست - غادة الكاميليا - على بابا والأربعين حرامى - عوف الأصيل - حسن ونعيمة»، وقال عنه السيد بدير إنه أفضل ممثل إذاعى، وكان رحمه الله عاشقًا ومتيمًا بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل الذى كان يذهب إليه فى الأماكن التى يقرأ فيها القرآن، وقدم للسينما أعمالًا كبيرة وعظيمة نال عنها جائزة أفضل ممثل عن فيلم «لن أعترف» وحصل على نفس الجائزة عن فيلم «الشيطان الصغير»، وفى عام 1966 منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي، وكان يشغل حتى وفاته منصب مستشار بوزارة التعليم لشئون المسرح المدرسى والجامعى، واختاره نور الشريف ليشاركه بطولة مسرحية «بكالوريوس فى حكم الشعوب» وأصيب بإعياء شديد ألزمه الفراش وتقرر سفره إلى لندن للعلاج لإزالة كيس دهنى نما فوق عصب طبلة الأذن، وعانى من تليف الكبد ومياه بالرئة مصحوبة بالمرض الخبيث، وكان لا يظهر الآلام التى تنتابه، والمياه البيضاء التى أثرت على نظره كثيرًا.
رحمك الله يا عمدة الدراما المصرية والعربية.
« ع . أ»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







