قضية ورأى

د. عادل مبروك يكتب: الإسراء والمعراج… حين تُختبر العقيدة وتنتصر الرحمة

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


■ بقلم: د. عادل مبروك

كلما اقتربت ذكرى الإسراء والمعراج، ازدادت النفس شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد وذاب الإنسان حباً فى رحمة الله التى وسعت كل شىء، وشوقاً إلى رحمته ومغفرته وترغيبه سبحانه لعباده فى رحمته وجنته للتائب قبل العابد، ولم لا وقد حض القرآن على هذا، يكفى أيُّ إنسانٍ، مهما كان، أن يقرأ الآياتِ الثمانيَ الأُوَلَ من سورةِ الشورى، ليعلم أنَّ بابه سبحانه وتعالى مفتوح ولا يمكن أبداً لأى مخلوق أن يغلقه إلا بأمره سبحانه، فما بالك بالمسلم مهما كان حاله- والأمر متعلق بالعقيدة والإيمان- والذى منها الإيمان بالغيبات، والتى منها أيضًا حدث الإسراء والمعراج.

والذى حاول البعض التشكيك فيه وقد حسمها القرآن فى سورة الإسراء (الآية الأولى) بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

وهنا غلق الباب، وعلينا الإيمان المطلق بهذا، فلم تكن رحلة الإسراء والمعراج حدثًا عابرًا فى سيرة النبى ، بل جاءت فى توقيت بالغ القسوة، بعد أن تكاثرت المحن، واشتد الأذى، وفقد رسول الله  السند الإنسانى الأقرب بوفاة عمه أبى طالب وزوجته خديجة رضى الله عنها، ثم ما لاقاه من صدٍّ وألم فى رحلته إلى الطائف، فى ذروة هذا الانكسار الإنساني، جاء الفرج الإلهي، لا على هيئة نصر دنيوي، بل فى صورة تكريم سماوي، يربط الأرض بالسماء، ويجدد فى النفس معنى الثقة فى رحمة الله، ويؤكد أن بعد العسر يُسرًا، وأن باب السماء لا يُغلق فى وجه عبد صدق مع ربه.

فكانت رحلة الإسراء، انتقالًا معجزًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم كان المعراج، صعودًا إلى السماوات العُلا، حيث تجاوز الزمان والمكان، ورأى النبى  من آيات ربه الكبرى ما يرسخ العقيدة، ويُثبّت الإيمان بالغيب، ويؤكد أن ما عند الله أعظم مما تضيق به صدور البشر.

وقد ثبتت حادثة الإسراء بنص القرآن الكريم، كما ثبت المعراج بالأحاديث الصحيحة المتواترة التى تلقّتها الأمة بالقبول، فلم تكن رؤيا منام، ولا تجربة روحية مجردة، بل رحلة حقيقية بالجسد والروح، كما ذهب جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، ليكون فى ذلك حُجّة على صدق الرسالة، ودليلًا على قدرة الله التى لا يحدها عقل ولا يقف أمامها منطق بشرى قاصر.

وفى هذه الرحلة المباركة، لم يكن التكريم للنبى  وحده، بل كان التكليف للأمة كلها، حين فُرضت الصلاة، لتكون الصلة الدائمة بين العبد وربه، والملاذ الذى لا ينقطع، والعهد اليومى الذى يربط الأرض بالسماء خمس مرات فى اليوم والليلة، وكأن المعنى العميق للرحلة أن الفرج لا يُنال إلا بالاتصال بالله، وأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

ومن هنا، لا تأتى ذكرى الإسراء والمعراج كمناسبة للاحتفال الشكلي، أو الطقوس الخالية من المعنى، بل كوقفة إيمانية عميقة، نستعيد فيها معنى الثقة فى الله، واليقين فى رحمته، والإيمان بأن ما نراه مستحيلًا فى ميزان البشر، هو عند الله ممكن، بل واقع إذا أراد سبحانه.

وعفوًا أيها القارئ الكريم، فهذه الكلمات ليست درسًا ولا فتوى، وإنما هى محض حب، وشوق، وعقيدة راسخة، ومحاولة صادقة للاقتراب من معنى الرحلة، لا لوصفها، فحادثة الإسراء والمعراج أكبر من أن تُحاط بالكلمات، وأعمق من أن تُدركها العقول، لكنها تظل نورًا يهدى القلوب، كلما ضاقت بها السبل.