لعل الزمن كان رحيمًا باليمن، تلك الدولة صاحبة الإسهام الحضارى، وشعبها العظيم، الذى يتوق للخروج من النفق المظلم، الذى دخله منذ عقود، فهو أمام فرصة تاريخية لن تتكرر، لإحداث تغيير سياسى درامى، بتصحيح أخطاء كارثية متراكمة منذ عقود، ظهرت بشكل كبير السنوات الـ ١٥، وأبرز مظاهرها: تعدد مناطق النفوذ، وتكريس المناطقية، وإعلاء شأن القبيلة على حساب الدولة المركزية، ومحاولة الاستقواء بجماعات مسلحة خارج الجيش الوطنى، وخلق أمر واقع، واكتساب شرعية مشكوك فيها، والعمل على مشروعات سياسية يتم فرضها بالقوة، وكان اليمن قبل أحداث الشهر الماضى، ينقسم بين ثلاث قوى رئيسية، وهم كالتالى:
أولًا: جماعة الحوثى، فبعد انقلابها على الشرعية وسيطرتها على العاصمة فى سبتمبر ٢٠١٤، بدأت زحفها إلى محافظات اليمن الأخرى، ونجحت بالفعل فى فرض نفوذها على حوالى ٣٣ بالمائة من مساحة البلاد، ونصف السكان، وتتمركز فى أقاليم صعدة وزمار وحجة وعمران واب، والبيضا وميناء ومدينة الحديدة المرتفعات الشمالية والغربية، ومؤخرًا اتخذت قرارات لتعزيز وجودها بمنح القادة العسكريين فى المناطق المسيطر عليها، صلاحيات أكثر، وتحولت إلى ما يشبه ولايات أو إمارات أو إقطاعيات خاصة، يديرها أشخاص مقربون من السيد أو زعيم الجماعة عبدالله الحوثى.
ثانيًا: المجلس الانتقالى الجنوبى برئاسة عيدروس الزبيدى، وهو أحد أبرز وجوه اللاعبين فى الآونة الأخيرة، وكان سببًا للتوترات غير المسبوقة فى اليمن قبل حله، حيث يفرض نفوذه على الحصة الأكبر من مساحات البلاد، وتتراوح إلى ما بين ٥٠ إلى ٥٢ بالمائة فى الجنوب والغرب، وفى القلب منها مدينة عدن وهى العاصمة المؤقتة، كما يسيطر على محافظات لحد والضالع وأبين ومناطق أخرى.
ثالثًا: الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، فقبل الأحداث الأخيرة لم تكن تبسط نفوذها سوى على ما بين ١٠ إلى ١٢ بالمائة، من مساحات البلاد غير متصلة جغرافيًا، فى مأرب وتعز وأجزاء من شبوه ووادى حضرموت والمهرة، مع تفشى الخلافات الشديدة بين أطرافها ومكوناتها، خاصة فى الحكومة والمجلس الرئاسى. ونتوقف هنا عن تداعيات الأحداث الأخيرة، التى بدأها المجلس الانتقالى الجنوبى، فى بداية الشهر الماضى، وانتهت بالقرار الشجاع فى الأسبوع الماضى، الذى اتخذته قيادات المجلس، بحل كافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، بحضور الأمين العام للمجلس عبد الرحمن الصبيحى ومشاركة وفد يضم أكثر من خمسين عضوًا، والتبرؤ من المشاركة فى قرار العملية العسكرية تجاه محافظتى حضرموت والمهرة، والتى أضرت بوحدة الصف الجنوبى، ولعل هذا القرار المحورى، صحح خطأ يصل إلى درجة الخطيئة، بدأت منذ لحظة تشكيله عام ٢٠١٧، فى أعقاب تحدى قرار من الرئيس السابق عبد ربه منصور هادى بإقالة عيدروس الزبيدى من منصبه كمحافظ لعدن، ولكن الأخير قام بتصعيد المواقف بالإعلان عن تشكيل المجلس وترؤسه، الذى ضم ٢٦ عضوًا من بينهم محافظو خمس محافظات جنوبية، ووزيران فى الحكومة، حيث لم يخف يومًا ما، خطته فى التراجع عن الوحدة والعودة إلى التشطير، وإعلان إقامة دولة جنوب اليمن، وتعامل المجلس على أنه كيان موازٍ للدولة، مما استدعى تدخل السعودية لفك الاشتباك بينهما، بالتوصل إلى اتفاق الرياض فى نوفمبر ٢٠١٩ الذى كرس المناصفة السياسية، وخرقها الانتقالى على الصعيد العسكرى، وقام بتطوير التشكيلات العسكرية التابعة، له على حساب القوات النظامية، ووصل عددها إلى ١٥، منها ألوية الدعم والإسناد وألوية الصاعقة وميليشيات الحزام الأمنى، وبعض ألوية العمالقة، وتتمركز فى عدن وأبين والضالع وسقطرى، مع حضور محدود فى شبوه وحضرموت.
استمرت مكاسب الانتقالى بعد تأزيمه للوضع فى اليمن، ونجح فى إزاحة الرئيس عبد ربه منصور هادى، وإعلان انتقال السلطة فى أبريل ٢٠٢٢ إلى مجلس القيادة الرئاسى برئاسة رشاد العليمى، وتم تمثيل المجلس بثلاثة أعضاء من بين سبع، وهم عيدروس الزبيدى رئيس المجلس وقائد قواته، والعميد عبد الرحمن المحرمى من لحج قائد العمالقة الجنوبية السلفية، واللواء فرج البحسنى بصفته المسئول الفعلى عن قوات النخبة الحضرمية، وكانت الطامة الكبرى، فى التطورات الميدانية التى بدأت فى مطلع الشهر الماضى، عندما سيطرت قوات المجلس الانتقالى، على محافظتى حضرموت والمهرة، وهما معًا خارج سيطرته، والتابعة لنفوذ الحكومة الشرعية، وتتمتعان بأهمية استراتيجية جغرافيا مع الارتباط الشديد بالأمن الإقليمى خاصة السعودى وأيضًا العمانى، ولم يحظ هذا التحرك بتوافق داخلى بين أعضائه، حيث مثل (انتحارًا سياسيًا)، وخروج عن القواعد التى حكمت العلاقة بين المجلس والشرعية اليمنية، ولم يكتف عيدروس الزبيدى بذلك، بل أعلن عن عدد من الإجراءات فى الثانى من يناير، بإصدار إعلان دستورى ومرحلة انتقالية لمدة عامين، يعقبها استفتاء على الانفصال، والذى مثل قفزة فى الهواء غير محسوبة، مما أسهم فى خلق فرصة للمجلس الرئاسى للتعامل مع جذور الأزمة، بعزل عيدروس الزبيدى من عضويته، وتحويله إلى القضاء بتهمة الخيانة، وأعقبها إعلان قادة المجلس حله، وترافق مع عمليات عسكرية واسعة، استهدفت مناطق نفوذه وسيطرته، قامت بها قوات الطوارئ اليمنية، التى تم تشكيلها فى منتصف العام الماضى، كأحدث تشكيل قتالى التابعة للمجلس الرئاسى وتحالف دعم الشرعية، ومعها قوات درع الوطن وألوية العمالقة التى نجح فى بسط نفوذ الحكومة الشرعية على أكثر من ثلثى أراضى الدولة.
لعل الدرس المستفاد من الأزمة الأخيرة، أن السلاح وحمله، مقصور وحصرى فقط على الجيوش الوطنية، ولا مكان لجماعات مسلحة أو ميليشيات خارج سلطة الدولة، مما يدفعنا إلى الإشادة بقرار رئيس المجلس الرئاسى رشاد العليمى، استيعاب كافة التشكيلات التابعة للانتقالى، ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، مع تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت مظلة التحالف، تتولى مسئولية ذلك استعدادًا للمرحلة القادمة، فى حال رفض جماعة الحوثى الانخراط فى الحلول السلمية للأزمة، بعد فشل كل محاولات إعادة هيكلة الجيش اليمنى منذ عام ٢٠١٥.

حين تُسْحَق العدالة.. التفرقة الجيو- اقتصادية فى مباراة مصر والأرجنتين
فزنا باحترام العالم
شكرًا حسام حسن.. هذا هو المنتخب الذى حلمنا به






