النيابة للأب في واقعة كفر الشيخ: «حق الرؤية لا يُنتزع بالترويع والخطف»

المتهمين والطفلان
المتهمين والطفلان


كفر الشيخ: حمدين بدوى

في قلب الدلتا، وتحديدًا في زقاق ضيق بقرية «مسير» التابعة لمركز كفر الشيخ، حيث تنساب أشعة الشمس الهادئة لتداعب براءة طفلين يلهوان في أمان، انكسر السكون فجأة بمشهدٍ لم تألفه القرية إلا في أفلام السينما العالمية.
لم يكن الأهالي يدركون هذه القرية الهادئة أن شارعهم البسيط سيتحول في لحظات إلى «ترند» يتصدر منصات التواصل الاجتماعي، ليس بسبب إنجاز أو احتفال، بل بسبب مأساة أسرية كادت أن تزهق فيها روح الطفولة تحت عجلات الصراعات الزوجية.
تفاصيل المشهد المرعب الذي لم يتجاوز بضع ثواني لكنه طرح العديد من الاسئلة والألغاز التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشاره، وكواليس الواقعة وهوية من ظهروا فيها، وكذلك العديد من الأشخاص الذين لعبوا أدوارًا قوية خلف هذا المشهد، كل هذا سوف نكشفه فيما تبقى من سطور.
 

تبدأ القصة بسيارة ملاكي بيضاء اللون، تقتحم الكادر بعنف، تتوقف فجأة مُحدثةً صريرًا يقطع حبل اللعب والمرح، يترجل منها رجل أربعيني بملامح متصلبة، يندفع نحو الطفلين بخطواتٍ مسكونة بقرارٍ مسبق وتخطيط لا يعرف الرحمة.

في تلك اللحظة الخاطفة، امتدت يد الأب، التي كان من المفترض أن تكون رمزًا للأمان، لتنتزع طفله «أحمد» من حضن براءته وعالمه الصغير.
ارتجف الهواء بصرخة الطفل المذعور التي لا تزال تتردد في آذان كل من شاهد المقطع: «بابا.. لا!». نداء استغاثة من ابن لأبيه، لكن النداء لم يجد صدى في قلبٍ أعمته الخلافات الشخصية والرغبة في الانتقام.
في تلك اللحظة، لم تكن مجرد واقعة اصطحاب طفل، بل كانت «عملية اختطاف» مكتملة الأركان النفسية، تجسدت فيها قسوة الصراع الأسري حين يتحول فيه الأبناء من بشر لهم مشاعر إلى مجرد «رهائن» أو «غنائم حرب».

الطفل البطل
وسط هذا المشهد المرعب الذي شلّ أطراف الكبار وجعلهم في حالة من الذهول، برزت ملحمة إنسانية كان بطلها طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره.
«محمد علي»، الذي شاءت الأقدار أن يكون «خالاً» للطفل المستهدف وصديقًا لصباه، لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الهجوم الكاسح.
تحركت غريزة «محمد» الدفاعية في وقت سكت فيه الجميع. قفز «محمد» كالأسد الصغير، تمسك بذراع ابن أخته بكل ما أوتي من قوة ضئيلة، واجه الرجل الأربعيني بصرخاتٍ زلزلت المكان: «سيبه.. مش هتاخده».

كانت معركة غير متكافئة بالمعايير الجسدية؛ طفل نحيل يواجه رجلاً قويًا وسيارة تتحرك، لكنها كانت ساحقة بمعايير الشجاعة والوفاء. لقد جسد «محمد» معنى الشهامة الفطرية، وقف حائط صدٍ صلب أمام محاولة انتزاع رفيق دربه، غير آبهٍ بقوة الرجل أو عنف الموقف الذي قد يكلفه حياته.
كلمات محمد لاحقًا، وهو يروي تفاصيل ما جرى، كانت الطعنة الأكثر إيلامًا في قلب كل من شاهد المقطع، حيث قال ببراءة صادمة: «ده حبيبي وابن أختي وصديقي وضنايا، ومكنتش هسيبه يتاخد قدامي».

إن استخدام طفل في العاشرة لكلمة «ضنايا» يعكس حجم المسئولية الوجدانية الهائلة التي أُلقيت على كاهله الصغير، ويؤكد أن الرباط الذي يجمعهما أقوى من أي وثائق طلاق أو صراعات محاكم.

شهادات
انتقلنا إلى زقاق الواقعة، حيث لا يزال الجيران يتداولون تفاصيل الحادثة بذهول. يقول «حاج إبراهيم»، أحد سكان الزقاق الذي شهد الواقعة: «سمعنا صوت عجلات السيارة وظننا أنها حادثة سير، لكن الصدمة كانت حين رأينا الأب يجر ابنه كأنه يسرق شيئًا.

المنظر كان بشعًا، والطفل الصغير (محمد) أثبت على سنوات عمره القليلة أنه رجل بمعنى الكلمة، لقد كان يحاول فتح باب السيارة حتى وهي تتحرك».

أما «أم محمد»، إحدى الجارات، فتقول والدموع في عينيها: «الطفل أحمد يعيش هنا منذ طلاق والدته، هو هادئ جداً ويحب محمد كأنه أخيه الكبير، ما فعله الأب كسر قلوبنا جميعًا، كيف يمكن لأب أن يلبس كمامة ويخفي وجهه عن ابنه؟ هذا ليس حبًا، هذا رعب، القرية بأكملها لم تنم في تلك الليلة من شدة القلق على مصير الولد».

ويضيف شاب من جيران الأسرة: «الخلافات بين العائلتين معروفة للجميع، لكننا لم نتوقع أبدًا أن تصل لدرجة الخطف في وضح النهار،  محمد الصغير أصبح قدوة لنا جميعًا، لولاه لربما لم نكن لتعرف هوية الخاطف بهذه السرعة».

روايات متصادمة
بعد أن انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، تحركت أجهزة وزارة الداخلية بسرعة فائقة لحسم الجدل.
تبين أن «الخاطف» هو الأب «أحمد»، الذي وجد نفسه متهمًا في قضية شغلت الرأي العام.
وفي التحقيقات، حاول الأب تبرير فعلته بمرارة الحرمان.

ادعى الأب أنه لم يكن ينوي الاختطاف، بل أراد «رؤية» ابنه بعد أن استنفذ كل السبل الودية والقانونية، مؤكدًا أنه ملتزم بنفقات الطفل، وأن تعنُّت أهل طليقته هو ما دفعه لهذا «القرار المتهور».

لكن على الجانب الآخر، ومن بلاد الغربة حيث كانت تؤدي فريضة «العمرة»، جاء رد الأم «سهير» محملاً بالانكسار والغضب.
تساءلت في مرارة: «لو كان ابنه عارف إنه باباه، ليه هرب منه؟ وليه الأب لابس كمامة؟»، كما سردت الأم جانبًا مظلمًا من المأساة؛ زواجًا انتهى بسبب زواج الأب بأخرى، وطردًا من مسكن الزوجية، وصراعًا نفسيًا مريرًا جعل من رؤية الأب «كابوساً» للطفل بدلاً من أن يكون «ملاذًا».

قرار النيابة

لم تلتفت جهات التحقيق للمبررات العاطفية التي ساقها الأب، فالقانون لا يعترف بالحب الذي يمارس عبر «الترويع»، استخدام العنف في الشارع، والاعتداء بالضرب على الطفل «محمد»، وإرهاب المارة، هي أفعال تجرمها القوانين الجنائية.

قررت جهة التحقيق حبس الأب وصديقه السائق، قبل أن يتم إخلاء سبيلهما لاحقا بكفالة مالية قدرها 15 ألف جنيه لكل منهما، هذا القرار حمل رسالة ضمنية قوية: «حق الرؤية لا يُنتزع بالترويع، والأبناء ليسوا ملكية خاصة للآباء يفعلون بها ما يشاءون»، وإن تحويل الشارع إلى ساحة لتصفية الحسابات الزوجية هو جريمة بحق المجتمع بأكمله.
>>>
ستبقى صورة الطفل «محمد» وهو يتشبث بابن أخته عالقة في الأذهان، لتذكرنا بأن القوة الحقيقية تكمن في الدفاع عن الضعيف، وأن النزاعات القضائية يجب أن تتوقف عند عتبة قلوب الأطفال.
 

اقرأ أيضا: حبس والد صغير كفر الشيخ 4 أيام على ذمة التحقيقات عقب محاولة اختطاف نجله 

;