فى عصر الصورة والبث الحى، لم تعد الانقلابات تبدأ بصفارات إنذار، بل بإشعار على تطبيق توصيل الطلبات، صارت «ساعة الصفر» تُقاس بعدد طلبات بيتزا الجبن والبيبرونى من مطعم قرب البنتاجون، لا بعدد القوات على الحدود. ولم تعد «السيادة» مفهومًا قانونيًا ثقيل الظل، بل تفصيلة مملة تُقصّ فى غرفة المونتاج! وهكذا يُختطف رئيس دولة وزوجته من فراشهما بالطريقة نفسها التى يُختطف بها انتباه المشاهد أمام شاشة التليفزيون، بينما يجلس صانع القرار، يقيّم الأداء، ويمنح العرض خمس نجوم على سرعة التنفيذ ودرجة العنف، كأننا أمام نهائى «سوبر بول» لا أمام اقتحام مقر رئيس دولة!
بهذا المنطق لم يرَ ترامب العملية انقلابًا أو اختطافًا أو خرقًا سافرًا لسيادة دولة، بل «برنامج تليفزيونى» ناجح، تابعه بالبث الحى كأفلام الأكشن: تشويق، إيقاع سريع، إخراج مُتقن، أبطاله قوات دلتا، أما الشرير فخرج إلى المشهد على متن سفينة حربية أمريكية مرتديًا سترة Nike، ومعه دخلت السترة الرياضية إلى التريند، ونفدت من الأسواق، لأن السياسة فى عصر الصورة لا تُقاس بالدم، بل بعدد «Likes» و»Shares»، رئيس مخطوف يتحول إلى مؤثر أزياء، والبحرية الأمريكية إلى منصة عرض.
ولأن هوليوود لا تحب الارتجال، استغرق التخطيط أشهرًا، وأجُريت بروفات دقيقة، ورُصدت مكافأة 50 مليون دولار، مقابل معلومات تقود للقبض على نيكولاس مادورو، كيف يتحرك، أين يعيش، ماذا يأكل، ماذا يرتدى، وحتى الحيوانات الأليفة التى يربيها، تحسبًا لأن يفسد كلبٌ ما اللقطة الأخيرة. وحلّقت طائرات شبحية مُسيّرة فوق كاراكاس، كما يحلّق «الدرون» فوق استديو تصوير ضخم، وهكذا السينما أولًا، والسياسة لاحقًا.
تفاصيل تصلح سيناريو فيلم عنوانه «كارتل الشمس»، وتهريب المخدرات حبكة جاهزة، تُخرِس أى تساؤل أخلاقى، وتمنح الجمهور سببًا إضافيًا للتصفيق. أما البيتزا، فهى المؤشر السرى للحظة الحاسمة: كلما زادت الطلبات بالقرب من البنتاجون، اقتربت ساعة العمليات الحاسمة، هكذا دخلت «البيتزا» التاريخ كأداة تحليل جيوسياسى يُدرَّس فى كليات العلاقات الدولية.
هذا الفيلم الهوليوودى ليس استثناءً، فمنذ مطلع القرن العشرين، تتدخل الولايات المتحدة فيما تطلق عليه «فناءها الخلفى»، تُسقط أنظمة وتدعم أخرى، لا بحسب الديمقراطية، بل درجة الولاء، تشيلى، الأرجنتين، بنما، تتغير الأسماء ويبقى السيناريو ذاته. فنزويلا ليست سوى رسالة هيمنة مُغلّفة، وبعد التهديدات بعمليات مماثلة ضد كوبا وكولومبيا، يبقى السؤال: من سيكون بطل الفيلم التالى؟ والأهم أى مطعم سيعلن «ساعة الصفر» القادمة؟!

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







