انتباه

أنياب مونرو

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


كان الوصف الأشهر هو «مبدأ مونرو» الذى أطلقه الرئيس الأمريكى جيمس مونرو عام ١٨٢٣، وأعلن بموجبه أن أمريكا الوسطى، والكاريبى، وقارة أمريكا الجنوبية، حصرياً منطقة نفوذ أمريكى، ويحذر على أى قوى أخرى الاقتراب منها، إذ هى فناء خلفى، أو حديقة خلفية لأمريكا وحدها!
بعد أكثر من مائتى عام يأتى الرئيس ترامب ليشهر أنياب مونرو فى وجه فنزويلا، ويتوعد كوبا وكولومبيا بمصير مماثل، عبر تطبيقه لمنطق «السلام بالقوة»، وتفعيل سريع لأحدث نسخة لاستراتيجية الأمن القومى الأمريكى، التى تعيد فى صدارتها الحياة لـ «مبدأ مونرو»، مع تزويده بأنياب حادة لغرزها حيثما وأينما أراد، ما دام ذلك يتسق مع المبدأ الذى يتبناه «أمريكا أولاً»!
تجريم مادورو الرئيس الفنزويلى، أو التذرع بغياب حقوق الإنسان، أو وصم النظام بالاتجار فى المخدرات أو البشر، أو توريطه فى تهمة الإرهاب، لا تمثل أكثر من عطاء للهدف الحقيقى، الذى يتمثل فى امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطى نفطى عالمياً، فضلاً عن كونها تحظى برابع احتياطات الغاز عالمياً.
إنها الثروات الفنزويلية، مضافاً إلى ما سبق مناجم المعادن النفيسة، التى دفعت ترامب لأن يقول دون مواربة أن واشنطن سوف تدير فنزويلا، لا سيما قطاع النفط والغاز فيها!
خطورة ما يحدث تتجاوز التطبيق الفورى لـ «وثيقة ترامب» الذى يضرب عرض الحائط بالقانون، وقواعد النظام الدولى ومؤسساته، ولا محل لمفاهيم الشرعية والأعراف الدولية فى ممارسات أمريكا ترامب، وهنا مكمن الخطورة، فاستباحة فنزويلا ليست أكثر من نموذج يمكن تكراره، ليس فى الحديقة الخلفية لواشنطن، وإنما فى أى موقع آخر، واستهداف دول ذات سيادة بزعم أى مبررات، أو الاتكاء على أى ذرائع لانتهاكها، مادام فى ذلك «خير» يعود على أمريكا!
أنياب مونرو فى عهد ترامب مشرعة ومسنونة لغرسها، فى جسد أى دولة تتمتع بثروات طبيعية ترى واشنطن أنها بحاجة للاستحواذ عليها، لاسيما إذا كانت ضعيفة فالسيادة إن لم تحمها قوة بمفهومها الشامل، فإنها لا شك مطمع لمن تفتحت شهيته: للاجتراء على ثروات الآخرين.
أنياب مونرو التى استدعاها أو استعارها ترامب، لن تستثنى من يقع فى أى دائرة بخلاف تلك التى تصدرت وثيقته، سواء فى آسيا، أو أوروبا، أو الشرق الأوسط وإفريقيا طبقاً لأولوياته، لا استثناء لأى بقعة، وقد عاد ترامب للحديث عن حاجته لجرينلاند رغم احتجاجات الدنمارك، وعاد للتلويح لإيران بإعادة استهدافها إذا وقع ضحايا للاحتجاجات هناك و... و...
ثم أن أنياب مونرو مشرعة بصورة غير مباشرة فى وجه روسيا والصين اللتين تنافسان أمريكا على مناطق النفوذ، وإذا كانت المواجهة المباشرة معهما مستبعدة، فلا بأس من احتواء الدول محل الصراع، لضمان الدوران فى فلك النفوذ الأمريكى تحت تهديد الأنياب المسنونة!