شريف زرد يكتب.. عُهدة سكة حديد: أمانةٌ ركام بيت "العيلة"

شريف زرد
شريف زرد


​في تلك اللحظات المهيبة التي يختلط فيها غبار الهدم بدموع الحنين، وبينما كانت مطارق العمال تلامس جدران منزلنا الريفي العتيق في "تفهنا العزب"، شعرت وكأن فصلاً كاملاً من تاريخ الروح يتداعى. لم يكن مجرد بناءٍ شيده جدي عام 1901، بل كان "مملكة" ضمت بين جنباتها أكثر من 70 فرداً، عاشوا جميعاً تحت سقف واحد تحرسه البركة ويملؤه الدفء.
​وعلى وقع إيقاعٍ من الحب والتناغم والحرص الشديد، وقواعد صارمة للانضباط رسخ جذورها الآباء والأمهات، كانت أروقة البيت وصالاته تستقبل فجراً صافرات قطارات السكة الحديد الممتزجة بقرآن الصباح. ومن هنا، نشأت علاقتي بهذا المرفق العريق كشريان حياة؛ فمن قلب هذا البيت الكبير كان القطار هو "المؤتمن" على مستقبلنا، يحمل أشقائي وشقيقاتي نحو "زفتى" شمالاً و"بنها" جنوباً طلباً للعلم، ليزرع في وجداني منذ الطفولة تقديراً خاصاً لهذا الكيان.
​هذا العشق الفطري رافقني طوال ثلاثين عاماً في العمل الصحفي، فلم تكن أخبار السكة الحديد بالنسبة لي مجرد مادة خبرية، بل قضية وطن. وبينما كان العمال ينقبون في "أساسات" البيت القديم، استخرج الركام مفاجأة لم تكن في الحسبان: مسمارين أصليين لفلنكات السكة الحديد، احتفظ بهما جدي -رحمه الله- قديماً كـ "أمانة"، بعدما استردهما من أيدي أطفال القرية خشية العبث بهما أو ضياعهما إبان فترة إنشائها في عشرينات القرن الماضي. في تلك اللحظة، قررتُ على الفور أن تعود الأمانة إلى موطنها الأصلي؛ وفاءً لذكرى جدي، وإيماناً بقدسية المال العام.
​لقد توجهت بقلبٍ يملؤه الفخر إلى مقر الهيئة القومية لسكك حديد مصر، حيث التقيت المهندس أشرف رسلان في حوارٍ استعاد بنا شريط ذكريات العمل والكفاح. لم يكن لقائي به مجرد تسليم عُهدة، بل كان تقديراً لرجل عاصرته "نائباً لرئيس الهيئة للمزلقانات"، ولمست إخلاصه حينما وضع تطوير "مزلقان قريتنا" على خارطة الأولويات رغم كل التحديات.
​أتذكر جيداً كيف خضنا معاً معركة التطوير في وقتٍ كانت فيه الموارد المادية للهيئة تئن تحت وطأة الأزمات العالمية وتأثر سلاسل الإمداد بالحرب الروسية الأوكرانية، ومع ذلك لم يتوقف العمل. وبإصرار مشترك بين الهيئة وأهالي القرية، شهدنا هدم وتطوير محطة قطار القرية وتوسعة رصيفها ليتناسب مع الكثافة المتزايدة للطلبة، بل وامتدت روح التعاون لإنشاء مسجد المحطة بالجهود الذاتية، في ملحمة تثبت أن الوعي الشعبي هو السند الحقيقي للدولة.
​لقد شهدنا سوياً كيف تحول المرفق تحت قيادة الفريق كامل الوزير من مقتنيات متهالكة إلى منظومة عالمية؛ حيث تعانق قضبان السكة الحديد اليوم أحدث العربات والجرارات، وتتحول المحطات والمزلقانات إلى مراكز ذكية تعمل بأحدث نظم الإشارات العالمية. إن إقدامي على رد هذه "الأمانة التاريخية" هو استجابة لنداءات الفريق كامل الوزير الصادقة للحفاظ على هذا المرفق الذي هو ملك للشعب.
​غادرت مكتب رئيس الهيئة وأنا أشعر بالرضا؛ فبينما كان منزل جدي يُوارى الثرى ليقوم مكانه بناءٌ حديث، كنت أضع لبنة من الوعي في بناءٍ أكبر وأسمى وهو "مصر". إن تسليم المسمارين هو عهدٌ بأن يظل حبنا لهذا المرفق باقياً، ورسالة بأن الحفاظ على هويتنا يبدأ من تقدير أصغر التفاصيل في تاريخنا العريق .