عندما كتبت الأسبوع الماضى عن سيناريوهات الخطر فى السودان، فرضت علىّ المساحة، اختصار هذه العبارة، عند الحديث عن إمكانية انفصال دارفور، وهى نصًا (لا يمكن التعويل على صعوبة الاعتراف الدولى بتقسيم السودان، فهناك نماذج مثل أرض الصومال، خلقت أمرًا واقعًا، حتى لو افتقدت الاعتراف الدولى). لم يكن لدىّ تصور، بأن الوقائع ستأخذ منحنى سريعًا، بالكشف عن الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال، والذى تم الكشف عنه فى اتصال نتنياهو بالفيديو مع رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، الذى أعلن ترحيبه بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، الأمر جد أخطر من أى تصور، وانعكاساته كارثية على الأمن القومى العربى، وفى القلب منه المصرى، خاصة أنه تم توسيع النظرة الكلية فى المنطقة، عند مدخل بحر العرب وخليج عدن، وقد تحدثت عن ما يحدث فى السودان فى مقالى السابق، من مسعى لتفكيكه أو إعلان حق تقرير المصير لبعض ولاياته، فاليمن هو الآخر يشهد أحداثًا خطيرة، فلم تعد المواجهات هناك بين حكومة شرعية، تمارس عملها مؤقتًا من عدن العاصمة المؤقتة، وبين جماعة الحوثى، ولكنها وصلت إلى حالة الانقسام داخل معسكر الشرعية، بعد العملية العسكرية التى قامت بها قوات المجلس الانتقالى الجنوبى، تحت اسم (المستقبل الواعد) للاستيلاء على محافظتى حضرموت والمهرة - وهو من المفترض جزء من الشرعية - بقرار غير متفق عليه من الحكومة ولا كافة مكوناته، التى تضم ممثلين عن كل محافظات الجنوب، مما استدعى تدخلًا سعوديًا غير مسبوق، باستهداف قواتها الجوية لقوات النخبة الحضرمية، أحد المكونات العسكرية للمجلس الانتقالى الجنوبى يوم الجمعة الماضى، مع بيان غاية فى القوة من وزير الدفاع السعودى الأمير خالد بن سلمان، بالتعامل المباشر مع أى تحركات عسكرية، وهو ما تحقق بالفعل باستهداف شحنة أسلحة لدعم المجلس الانتقالى فجر أمس.
ولعل المتابعة الدقيقة لما حدث فى أرض الصومال، يكشف عن أن العام الحالى حفل بتحركات باتجاه ثلاث عواصم ذات أهمية استثنائية، فى إطار البحث عن حلفاء جدد، وتمتين علاقاتها بها، وهى كالتالى:
أولًا: إثيوبيا، وكانت البداية فى يناير من العام الماضى، والتى وقعت مذكرة تفاهم مع أرض الصومال، تم بمقتضاها منحها واستئجارها، ممرًا بطول عشرين كيلومترًا على خليج عدن لمدة ٥٠ عامًا، تجاوزت به أديس أبابا الجغرافيا، باعتبارها دولة حبيسة، ليس لها أى إطلالة على أى ممر مائى، مع إقامة ميناء تجارى وقاعدة بحرية، مقابل مجرد الوعد بالاعتراف بها كدولة، ويمكن تفسير الخطوة الإثيوبية، باعتبار أرض الصومال بديلًا آمنًا لجيبوتى، والتى تضم قواعد عسكرية لدول مختلفة.
ثانيًا: إسرائيل، ويبدو أن خطوة الاعتراف لم تكن خطوة مفاجئة للمتابعين، خاصة فى ضوء التغييرات التى طرأت على حسابات إسرائيل الجيوسياسية بعد طوفان الأقصى، وتوابع هجمات جماعات الحوثى على السفن الإسرائيلية، وقدرتها على إخراج ميناء إيلات من الخدمة، وحصارها بحريًا من الجنوب، مما زاد اهتمامها بأرض الصومال، ودعاها ذلك إلى فتح خط تواصل معها عبر رئيس الموساد ديفيز برنيع، الذى حظى بإشادة خاصة من نتنياهو بدوره فى تمهيد الطريق أمام تلك الخطوة، كما تردد وجود زيارات سرية عن مستويات مختلفة بين إسرائيل وبعض المسئولين فى حكومة أرض الصومال، ومنهم الرئيس نفسه عبد الرحمن محمد عبد الله، وكان من اللافت ظهور تقارير إعلامية فى أكتوبر الماضى عن اهتمام تل أبيب، بإقامة قاعدة عسكرية فى أرض الصومال.
ثالثًا: أمريكا، حيث شهد هذا العام تحرك لوبيات ضغط فى الولايات المتحدة، لدفع الإدارة لخطوة الاعتراف بأرض الصومال، ومنها البيان الذى أصدره عضو الكونجرس الجمهورى فى أغسطس الماضى، رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية المعنية بإفريقيا، والخطاب الذى أرسله بهذا المعنى إلى الرئيس ترامب، دعا فيها إلى الاعتراف بها فى إطار المصالح الأمنية الأمريكية، والتى حددها فى احتواء النفوذ الصينى، وإقامة شراكات أمنية مع حلفاء جدد، وفى يونيه الماضى زار وفد أمريكى رسمى يضم ديبلوماسيين وقائد القوات الأمريكية فى إفريقيا أرض الصومال، بعد زيارة وزير خارجيتها واشنطن قبلها بشهر، ويبدو من التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب، أنه ليس فى عجلة من أمر الاعتراف، حيث أشار إلى أنه لا يعتزم ـ كما قال ـ السير على خطى إسرائيل فى هذا الملف، ولكنه ترك الباب مواربًا بإشارته إلى أن كل شىء قابل للدراسة.
وبعد، فقد خلق الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال، كسر العزلة الدولية عليها التى عانت منها لعقود بعد إعلان انفصالها عام ١٩٩١، كما أثار حالة من التوتر وعدم الاستقرار فى منطقة مهمة، تضم ممرات بحرية عديدة، وتأثير ذلك على قناة السويس، التى يمر منها ١٢ بالمائة من تجارة العالم، بالإضافة إلى مرور ٣٠ مليون برميل نفط عبر بحر العرب وباب المندب، وتتجاوز أهداف إسرائيل ليس كما أشار بيانها، فكرة التعاون الاقتصادى والزراعى والصحة والتكنولوجيا، إلى السعى لتحقيق مكاسب استراتيجية وأمنية، عديدة كموطئ قدم يتيح لها إمكانية نشر أنظمة رصد وملاحقة بالطائرات المسيرة والصواريخ، ومركز إنذار مبكر، ومقر استخبارى وعسكرى، يسهل لها استهداف إيران وجماعة الحوثى، التى أعلنت من جهتها، أنها ستستهدف أى وجود إسرائيلى فيها.
آن الأوان لنا كعرب، السعى جديًا إلى إغلاق ملفات معلقة منذ سنوات، فى اليمن والسودان، بضمان وحدتهما، وعدم السماح بالتقسيم، حتى لا تنضم إلى النموذج الصومالى، الذى أفرز كيانات قابلة للإيجار والبيع، الزبائن كثر، وفى المقدمة إثيوبيا وإسرائيل والذى أعلن عيدروس الزبيدى رئيس المجلس الانتقالى فى سبتمبر الماضى، الذى يقود العمليات الأخيرة، عن استعداده للاعتراف بها، والانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، فى حال انفصال الجنوب اليمنى، وهو الهدف الذى يسعى إلى تحقيقه.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







