تصبح المسئولية ضخمة على الدول والمؤسسات فى عملية بناء الثقة فى عصر الذكاء الاصطناعى الذى صارت فيه الحدود الفاصلة بين الحق والباطل والحقيقى والمزيف حدودا باهتة وغير واضحة إلا على أصحاب العقل النقدى والثقافة العميقة وفوق هذا امتلاك ضمير وحد أدنى من القيم التى تشكل منظومة أخلاقية رادعة ومانعة من الانحراف وسوء التصرف.
وفى ظل تعاظم هذه المسئولية على الدول والمؤسسات لبناء الثقة وتعزيزها نصبح أمام عالم جديد تماما يتسم بالديناميكة والتبدل فى كل شيء. وهنا يجب أن يكون لجوء الدولة والمؤسسات إلى مزيد من الاعتماد على البحث العلمى بكل ما له من المنهجية والصرامة والإيمان بالحقيقة والابتعاد عن كل ما يمثل إخلالا بالمنهج العلمي.
يمكن القول بمزيد من الاختصار والاختزال أن الدولة -أى دولة- هى حالة من الثقة وهى إما أن تكون فى زيادة ونماء أو فى حال من التراجع والانحدار. وهذه الثقة تقوم على أداء الخدمات والشفافية والعدالة وكلها تقريبا أهداف حققتها الجمهورية الجديدة، لكن لابد من الانتباه كذلك بقوة إلى أن الواقع وما يتم بشكل فعلى قد يختلف عن الصورة التى تطرحها الميديا والغزو الإعلامى الخارجى الذى قد يستهدف ضرب الثقة وبخاصة مع عمل لجان ممولة من الخارج فى صناعة محتوى مزيف مدعوم بأدوات الذكاء الاصطناعى يستهدف ضرب الثقة فتنتشر فيديوهات وصور مفبركة بشكل كامل. أو منشورات سردية تبدو محبوكة سرديا وتقدم حقيقة برغم كونها لا تمت للحقيقة بأدنى صلة.
هنا لم تعد صناعة المحتوى بحاجة لمستوى عال من التعليم أو مقصورة على فئات بعينها من المتعلمين بل متاحة للجميع وبخاصة الانتهازيين أو الجهلاء من أتباع الجماعات المتطرفة أو أصحاب الأيديولوجيات الفاسدة أو المنتفعين من المأجوربن الذين لا هم لهم غير الربح المادي.
بالطبع هى سياقات صعبة وجديدة تماما وتحتاج لاستعدادات خاصة لأن توابعها وآثارها غير واضحة بشكل كامل. تمتد آثار هذه المرحلة لتشمل جوانب الحياة كلها دون استثناء من التعليم والبحث العلمى والحياة الثقافية والفكرية والجوانب النفسية والسلوكية وغيرها من الأمور. إذ عبر فيديو عابر ويبدو بسيطا إلى أقصى درجة قد تتغير سلوكيات كثير من البشر واهتماماتهم سواء سلبا أو إيجابا.
وهنا تتجلى مسألة مهمة أخرى تتصل بحتمية التكامل بين مؤسسات الدولة كافة دون أن يكون هناك أدنى فرصة للخطأ أو التناقض مع المعالجة السريعة لكل ما يتصل ببناء الثقة أو كل ما يمسها. وهنا كان يجب أن تتشكل اتجاهات فلسفية وفكرية جديدة فى الجامعات والمؤسسات البحثية وأن تتجاوب النخبة مع هذه الشواغل بدقة وسرعة وأن تكون المؤلفات والمقالات التى تتصدى لهذه التحديات نابعة من حالة من الإخلاص والقلق العلمى والانتماء الحقيقى للهوية الوطنية. لكشف المنتفعين من المأجوربن الذين لا هم لهم غير الربح المادي.
فى هذه السياقات تزداد أعباء الدولة فى متابعة المحتوى ومراقبة نتائجه ولا يمكن لأحد أن يدعى بأن هناك دولا يمكن أن تعيش دون رقابة للمحتوى لكن ما يمكن أن نختلف عليه هو شكل هذه المراقبة ومنطقها لصناعة توازن بين الحفاظ على الأهداف الوطنية مع تعزيز مناخ الحرية الذى هو ركيزة أساسية للنهضة بحسب ما يأتى دائما فى تأكيدات الرئيس السيسى على أن مناخ الحرية هو الضمان للشفافية والاستقرار والتطور والاستدامة بكل مجالاتها.
الأطفال الآن صاروا يتعاملون بكثافة مع الذكاء الاصطناعى بما يمكن أن يشكل مصدرا تعليميا لهم فى مقابل التعليم الرسمى والمؤسسي. وهنا نتصور أنه يتوجب على التعليم المؤسسى أن يميل من وقت مبكر إلى توظيف الذكاء الاصطناعى وتحويل المعلم ليكون قائدا وموجها تتم عملية التعلم تحت مراقبته وهى ما يتطلب مجموعة مختلفة من السلوكيات لهذا النمط من المعلمين الذين يمثلون العقل النقدى عند الطلاب فى مقابل حالة الأبوية والتسلط والاستبداد بالرأي. يمكن أن يكون هذا هو التحدى الأبرز والأقوى.
والأمر قريب من هذا مع البحث العلمى وإعداد الباحثين فى الجامعات وقد كانت وزارة التعليم العالى لدينا على قدر كبير من اليقظة حين اتجهت إلى تشريع توظيف الذكاء الاصطناعى فى البحث العلمى بما يعزز الشفافية ويدعم القدرات البحثية ويصنع تيارا جديدا من الباحثين الذين يتحلون بالأمانة والقدرة على التفكير الإبداعى ويدعم فى النهاية بناء الثقة فى المؤسسات البحثية والأكاديميات.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







