شريف زرد يكتب: الجنزوري وأوتوبيس "روض الفرج"

شريف زرد
شريف زرد


في صباح الأول من أكتوبر عام 1996 غادرت قريتي "تفهنا العزب" أحمل في حقيبتي أحلاماً كبيرة وتطلعات لمشوار صحفي في واحدة من أعرق المؤسسات الصحفية المصرية آنذاك وهي "مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر" حيث كانت وجهتي مقر المؤسسة التي ينتظر القراء إصدارها السياسي المصري بشغف ولم أكن أعلم أن طريقي للعمل سيتحول فجأة إلى مسرح لأول انفراد صحفي أخطّه بدموع التأثر وبقايا الحبر وبينما كنت أستقل "الميكروباص" مروراً بكورنيش النيل ذلك الطريق الذي طالما ضج في الصباح بآلات تنبيه عديدة اختلطت فجأة بصرخات مكتومة وصوت ارتطام هزّ الأرجاء وتوقفت الحركة تماماً وبدلاً من أن أكون مجرد عابر سبيل استيقظت في داخلي غريزة "محرر الحوادث" التي كنت أتدرب عليها في ذلك الحين ونزلت من الميكروباص لأجد نفسي وجهاً لوجه أمام حادث مأساوي وهو سقوط أوتوبيس هيئة النقل العام في النيل من أعلى كوبري روض الفرج وكان المشهد قاسياً حيث الزجاج المحطم يتناثر كقطع من الجليد الحزين وتجمهر المارة الذين حاولوا تقديم يد العون قبل وصول سيارات الإسعاف ومواطنون بسطاء يسعون خلف أرزاقهم وطلاب متوجهون لجامعاتهم وعائلات تحمل أحلامها الصغيرة وفجأة وبلا سابق إنذار اختل توازن الأوتوبيس واخترق السور الحديدي للكوبري ليسقط من ارتفاع شاهق ويستقر في قاع النيل ولم تكن الكارثة في السقوط فحسب بل في المشهد الذي تلاه حيث تحولت ضفاف النيل إلى سرادق عزاء مفتوح وتجمهر الآلاف في انتظار خروج جثامين ذويهم الذين بلغوا عشرين شهيداً وسط صدمة من تهالك المرافق العامة وضعف الرقابة على حالة المركبات التابعة للدولة.

وفي هذه اللحظة لم أعد "شريف زرد" الشاب الذي يسعى لإثبات ذاته فحسب بل أصبحت لسان حال الحقيقة حيث كانت دقائق معدودة كفيلة بتغيير حياة أشخاص وشهادات عيان رسمت صورة واضحة لما حدث قبل وصول الأمن وكان شعوراً مختلطاً بين الرهبة من هول الحادث وبين المسؤولية المهنية التي تفرض عليّ نقل الخبر بأمانة ودقة إلى طاولة التحرير في "دار التعاون" وأدركت حينها أن خروجي من "تفهنا العزب" لم يكن مجرد رحلة للعمل بل كان اختباراً حقيقياً لمعدن الصحفي بداخلي فمهنة المتاعب لا تختار لنا المواعيد بل نجد أنفسنا في قلب الحدث دون سابق إنذار وتعلمت حينها أن الصحفي الحقيقي هو من يرى الخبر بعينيه قبل أن يكتبه بقلمه وأن طريق النجاح يبدأ أحياناً من وسط الأزمات وفي تاريخ الحوادث المصري لحظات فارقة تتجاوز كونها مجرد "قضاء وقدر" لتصبح قضية رأي عام تضع الحكومة في قفص الاتهام ووصلت إلى مقر المؤسسة بملابس يكسوها تراب الطريق ولكن بقلب يحمل خبراً عاجلاً وبالرغم من أن تجربة اليوم كانت قاسية على حكومة الدكتور كمال الجنزوري إلا أن الحادث وضع حكومته أمام تساؤلات شعبية وبرلمانية حادة أهمها إهمال الصيانة وكيف كانت حالة الأوتوبيس متهالكة دون فحص دوري ومدى أمن الكباري ولماذا لم تكن أسوارها بالقوة الكافية لمنع سقوط المركبات وكيفية تعامل الدولة مع تعويضات أسر الضحايا الذين فقدوا عائلهم الوحيد وقد اضطر الدكتور الجنزوري حينها إلى التدخل المباشر.

وصدرت توجيهات مشددة بمراجعة الحالة الفنية لأسطول هيئة النقل العام وتشكيل لجان لمعاينة الكباري بالقاهرة الكبرى في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي العارم الذي طال وزير النقل ومحافظ القاهرة آنذاك ولم تكن حادثة روض الفرج مجرد عطل فني في "فرامل" أو خطأ من سائق مجهد بل كانت جرس إنذار كشف عن الفجوة بين طموحات المشروعات الكبرى وبين واقع الخدمات اليومية للمواطن البسيط وأثبتت الحادثة أن بناء الجسور لا يكفي بل إن صيانتها وحماية مرتاديها هي المعيار الحقيقي لنجاح أي إدارة ورحل الدكتور الجنزوري وتغيرت ملامح القاهرة وتم ترميم كوبري روض الفرج وبناء محاور جديدة بجانبه لكن ذكرى الأوتوبيس الغارق لا تزال محفورة في ذاكرة جيل شهد تلك الفترة وتظل هذه الحادثة تذكرنا دائماً بأن أرواح المواطنين هي أغلى ما يجب أن يُصان وأن الإهمال هو العدو الأول لأي تنمية ونحن نمر فوق تلك المنطقة ذاتها ندرك أن المشهد قد تغير جذرياً ولم تعد الحكاية مجرد ترميم لسور كوبري متهالك بل أصبحت استراتيجية دولة تضع حياة المواطن فوق كل اعتبار.

فإذا كانت حادثة 1996 قد كشفت عن "فجوة الطموحات" فإن ما نعيشه الآن هو "عصر العبور الفعلي" ولقد ولى زمن "الأوتوبيس الغارق" ليحل محله عهد "محور روض الفرج" الجديد ذلك الصرح الذي دخل موسوعة "جينيس" كأعرض كوبري ملجم في العالم ولم يعد العبور رهيناً بمعدات متهالكة أو طرق ضيقة بل أصبح نزهة آمنة فوق مسارات شُيدت وفق أحدث المعايير العالمية حيث نرى "ممشي أهل مصر" يمتد تحتها محولاً ضفاف النيل من ساحات للدموع والقلق إلى متنفس حضاري يليق بالمصريين إن الفرق بين صباح الأول من أكتوبر 1996 وصباحاتنا الحالية يكمن في "الرقمنة" و"الرقابة" وجدية الإدارة فمن منظومات النقل الذكي إلى الحافلات الكهربائية والـ "مونوريل" انتقلت الدولة من مرحلة "امتصاص الغضب" بتصريحات المسؤولين إلى مرحلة "الوقاية" بتأسيس بنية تحتية لا تكتفي بالجمال بل تضمن الأمان ورحل الدكتور الجنزوري وتغيرت ملامح القاهرة ولم يعد الصحفي الشاب الذي كُنتُه يحمل حقيبة أحلامه في "ميكروباص" يخشى الطريق بل أصبح شاهداً على تحول تاريخي وتظل ذكرى ضحايا أوتوبيس روض الفرج ديناً في رقبة كل من يبني ودافعاً لكل من يخطط بأن "الإنسان أولاً" فالمباني والكباري والمحاور ليست مجرد أسمنت وحديد بل هي شرايين حياة يجب أن تظل نابضة بالأمان بعيدة عن شبح الإهمال الذي طوينا صفحته في كتاب الجمهورية الجديدة.