رسمت منصات التواصل الاجتماعي معالم عصر جديد للعلاقات الإنسانية، وأصبحت فيها الشاشات الصغيرة النافذة الرئيسية إلى العالم وعلى بعضنا البعض.. لكن هذه النافذة، رغم سعتها، تطرح عدة أسئلة وجودية عميقة: هل حقاً نقترب من بعضنا أكثر أم نبتعد تحت وهم الاتصال؟.. هل تُضعف هذه الوسائل علاقاتنا الحقيقية أم تعيد تشكيلها بصور لم نعهدها من قبل؟.
كل يوم، أقضي ساعات في التفاعل مع أصدقاء، لم تربطني بهم بلد ولا جنسية ولا علاقة، على عكس الأقارب لا أستطيع رؤيتهم أو اتبادل الحديث معهم منذ شهور.. هذه المفارقة هي جوهر تجربتي المعاصرة.
لست أنظر للأمور بشكل سلبي، ولكن ما يحدث يحتاج لإعادة النظر.. نعم هناك إيجابيات جوهرية قدمتها هذه المنصات، وحوّلت العالم إلى قرية صغيرة حقيقية، ليس فقط في تبادل المعلومات، بل في تبادل المشاعر الجفة والخبرات الحميمة، وأصبح بمقدوري أجد ما احتاجه أو حتى التقي بمن يشبهني في عوالم مختلفة الثقافات واللغة.
كما يمكن أن يجعلني لا أشعر بأنني لست وحيداً في حبي لهواية أو فكرة حتى ولو كانت غريبة، وأعادت هذه الوسائل كتابة مفهوم الصداقة عبر المسافات، فالحفاظ على الاتصال اليومي مع صديق في قارة أخرى لم يعد ترفاً، بل أصبح جزءاً طبيعياً من روتين الحياة، مما يحافظ على دفء العلاقات بشكل ما رغم تباعد الأجساد.
ولن أكون جائرا على أساسيات حياة القرن الواحد والعشرين، فلقد أصبحت السوشيال ميديا أداةً للمهمشين والمجتمعات المغلقة، فمنصات مثل «تويتر، وفيسبوك ويوتيوب، وتيك توك»، منحت صوتاً لمن لا صوت لهم في الإعلام التقليدي، وسهلت تشكيل تحالفات وقوى ضغط اجتماعية غير مسبوقة، ولقد رأينا كيف يمكن لهاشتاغ أن يحرك الرأي العام وينصف مظلوماً أو يسلط الضوء على قضية إنسانية في أقصى الأرض.
ولقد وثق علماء الاجتماع والاجتماع ظاهرة «الوحدة المتصلة»؛ حيث يزداد عدد أصدقائنا الافتراضيين بينما يضمحل عدد من نشاركهم وجبة عشاء حقيقية، ولقد استبدلنا عمق الحوار الثنائي الهادئ بسيل من التعليقات السريعة والإعجابات العابرة، التي قد تخلق شعوراً زائفاً بالتقارب دون أن تبنى فيها الثقة الذي تبنيه لحظات الصمت المشترك والمشاعر غير المعلنة.
كما خلقت هذه المنصات سوقاً تنافسياً علنياً للسعادة والكمال، وأصبحنا نعيش تحت ضغط مقارنة حياتنا الداخلية المعقدة، بصور حياة الآخرين الخارجية المصقولة والمعدلة.
ومن المخاوف أن يصبح برنامج مثل «chat g.P.t»، او غيره من برامج الذكاء الاصطناعي من الممكن أن تكون مكملة وتؤنس وحدة إنسان بشكل زائف من خلال الحديث المتبادل، كما أنها تزرع بذور النقص والشك في الذات، وتجعلنا نعيش حياة مزدوجة: حياة نعيشها، وأخرى نحاول تقديمها، وهذا لا يضعف علاقتنا بالآخرين فحسب، بل يضعف علاقتنا بذواتنا الحقيقية.
ومن هنا يظل السؤال الجوهري: كيف نستعيد سيطرتنا كبشر على هذه الأدوات كي لا تتحول إلى مسيّر لنا؟.. الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا، بل في تبني «نظام يحافظ على الإنسانية ويتعامل مع العالم الرقمي شريطة وضع حدود»، ويتطلب الإلتزام بضوابط تحمي الإنسان من شر صنعه فيجب علينا تخصيص أوقات خالية من الشاشات للعلاقات الواقعية، وإيقاف الإشعارات في أوقات الراحة واللقاءات العائلية.
وايضا يمكن تحويل التفاعل إلى فرصة لحوار أعمق، كالرد بتعليق ذي معنى بدلاً من مجرد «👍»، أو تحويل النقاش على عام إلى محادثة خاصة أكثر هدوءاً.
ونسأل أنفسنا بصدق: هل استخدم المنصة لكي أتواصل أم لأهرب من التواصل؟.. هل أقدم نفسي الحقيقية، أم صورة مثالية أسعى لبيعها؟
ولذلك تبقى وسائل التواصل الاجتماعي أدوات اتصال لا تخلق الحب أو الصداقة من العدم، بل توسّع قنوات تعبيرهما، فالخطر الحقيقي يبدأ عندما نخلط بين القناة والرسالة، والوسيلة والغاية.
ويجب أن تظل العلاقات المبنية على النظر في العينين، وسماع نبرة الصوت، ولمسة يد في لحظة حزن أو فرح.. ربما يكون التحدي الأكبر في عصر السوشيال ميديا ، إلا أنه أهم تفاعل نكسبه هو ابتسامة حقيقية نبادلها مع من نحب.. مهمتنا هي استخدام هذه الجسور الرقمية للوصول إلى الشاطئ الآخر، لا للبقاء معلقين فوق المياه، نشاهد الحياة من خلال شاشة، بدلاً من أن نعيشها بكامل إنسانيتنا الواقعية.

د. حسام عبدالغفار يكتب: حين يرتدى الوهمُ ثوبَ الرحمة
نحن لا نختار لون قلوبنا
تصحيح المسار







