الغربية: محمد عوف
شهد مركز منية النصر بمحافظة الدقهلية، واحدة من أبشع الجرائم التي كسرت قلوب الأهالي، وأغرقت القرية في موجة من الحزن والغضب، بعدما لقيت السيدة الستينية طيبة القلب الحاجة ماجدة محمد سالم مصرعها على يد ابن شقيقتها في واقعة غدر غير مسبوقة، جريمة لم تكن مجرد قتل أو سرقة، بل انهيار لمعنى العائلة، وخيانة خرجت من أحشاء القرابة نفسها.
مساء عادي يتحول إلى بداية كابوس، هكذا بدا طبيعيًا، خرجت الحاجة ماجدة من منزلها الكائن في عزبة صغيرة تسمى»الكونت» كما اعتادت، امرأة تجاوزت الستين، يعرفها الجميع بابتسامتها وهدوئها وحرصها على صلة الرحم، لكن تلك الخطوة كانت بداية الغياب المرعب.
مرت الساعات دون أن تعود، ومع حلول الليل بدأ القلق يتسلل إلى صدور أبنائها وأقاربها وجيرانها.
«هي فين؟ عمرها ما اتأخرت كده»— جملة ترددت عشرات المرات تلك الليلة.
الأهالي ينتفضون للبحث عنها، خرجت القرية كاملة في رحلة البحث عن الحاجة ماجدة: رجال، شباب، نساء، وحتى الأطفال.
المصابيح الصغيرة ضوءها ضعيف، لكنها كانت تحمل أملاً كبيرًا بالنسبة لهم، فربما أصابها مكروه وسقطت على الأرض غائبة عن الوعي، انتشر الأهالي بين الحقول والطرق الترابية والمصارف، ينادون باسمها ويبحثون عن أي أثر لها.
امتدت ساعات البحث لتصبح أيامًا، ومع كل يوم يزيد الصمت ثقلاً، ويزداد الخوف سوءًا.
بلاغ رسمي
توجهت الأسرة إلى قسم شرطة منية النصر لتحرير محضر باختفائها.
بدأت الأجهزة الأمنية بقيادة الرائد محمد صبحي البحث من نقطة الصفر، بالتحقيق مع أسرتها، ومراجعة دوافع أي خلافات محتملة، وفحص علاقاتها.
لكن الإجابات كانت واضحة:
الحاجة ماجدة بلا أعداء، بلا خصومات، بلا مشكلات.
وهذا ما جعل فرضية الجريمة أكثر احتمالًا، رغم صعوبة تصديقها من عائلتها.
أمل كاذب
وفي خضم القلق والبحث، وصلت إلى الأسرة معلومة تقول؛ إن هناك سيدة مجهولة الهوية عُثر عليها في قسم شرطة ثان طنطا تحمل أوصافًا قريبة من أوصاف الحاجة ماجدة.
كانت تلك الشرارة الصغيرة كافية لإحياء الأمل في قلوب الجميع.
لم ينتظروا توجهوا مسرعين صوب طنطا، حائرون بين الأمل والخوف، والدعاء يتكرر:
«يا رب تكون هي.»
وصلوا القسم، قلوبهم معلّقة.
نظروا إلى السيدة المجهولة…
لكن الأمل انهار في لحظة: لم تكن هي الحاجة ماجدة.
خرجوا من مركز الشرطة وهم في حالة إحباط شديد، كما لو أن الطريق من طنطا إلى منية النصر أصبح أطول ألف مرة.
قال أحد أفراد الأسرة:
«رجعنا وإحنا حاسين إن الدنيا بتضيق… الأمل كان بيبعد.»
مع استمرار التحريات كاميرات المراقبة تكشف أول خيط، حيث لجأ فريق البحث إلى مراجعة كاميرات المراقبة في محيط القرية الهادئة، كاميرا بعد أخرى.. ساعات من المشاهدة.. حتى ظهرت لقطة بدت عابرة لكنها بالنسبة لرجال المباحث كانت أول خيط لكشف ملابسات الواقعة:
رجل يدخل محل ذهب صغير ويبيع قطعًا ذهبية تخص سيدة كبيرة في السن مقابل 25 ألف جنيه.
صاحب المحل تردد، ثم قال الجملة التي قلبت مجرى التحقيق: «ده واحد من قرايب الحاجة ماجدة»!
بدأ اسم واحد يتردد في التحريات وهو قنديل أ.م.أ – 44 سنة، ابن شقيقها، تحركاته يوم الواقعة كانت مريبة.
كاميرات الشوارع أظهرته يقود توك توك متجهًا نحو منطقة مصرف السيد فرج في توقيت مطابق لاختفاء خالته وكانت هناك إشارات مسبقة لتوتره، ومشكلات مالية خانقة.
المواجهة والاعتراف
حين ضبط، حاول الإنكار في البداية، هنا كان لابد من المواجهة وملاحقته بالأسئلة، ولأن الأدلة كانت كثيرة، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى انهار واعترف بكل التفاصيل، ببرود مخيف.
روى أنه استدرج خالته إلى منزله، طلب منها مالًا فرفضت، فدفع رأسها نحو الحائط، ثم استخدم حبلًا لخنقها حتى فارقت الحياة.
كبّل يديها وقدميها، ووضعها داخل شيكارة زرقاء، ملأها بالحجارة، نقلها في التوك توك، وألقاها في مصرف السيد فرج تحت الهيش.
وفي الصباح باع ذهبها مقابل 25 ألف جنيه.
اعتراف المتهم جعل ضباط المباحث أنفسهم يقفون مذهولين من هول ما سمعوه.
العثور على الجثمان
قاد المتهم الشرطة إلى مكان العثور على الجثة.
في ضفة المصرف، وسط الهيش الكثيف والرائحة الثقيلة، ظهرت الشيكارة الزرقاء ثم طرف عباءتها، هكذا كانت الحقيقة الكاملة.
انطلقت صرخات من بعض الأهالي الذين كانوا حاضرين، بينما غطّى رجال وجوههم من صدمة المشهد.
حين استخرج الجثمان وبعد معاينة النيابة العامة وتشريح جثة المجني عليها لمعرفة بيان الوفاة تم تسليم الجثة للأسرة، شهدت عزبة الكونت وقرى منية النصر واحدة من أكبر الجنازات في تاريخ المنطقة، عشرات الأهالي زحفوا خلف النعش، نساء يبكين، رجال يرددون الدعاء، شباب يبكون فالمرة الأولى منذ سنوات تقع هذه الجريمة.
المسافة من البيت إلى المقابر امتلأت بالكامل بالناس.
يقول المهندس حلمي محمد حلمي، جار المجني عليها:دي ست ما تعرفش غير الخير. عمرها ما اتخانقت مع حد. أبواب بيتها كانت مفتوحة للجميع.»
وأضاف: «إزاي؟ إزاي واحد يقتل خالته عشان شوية دهب»؟!
فيما قالت نفيسة عبد ربه إحدى الجارات وهي تبكي: «كانت ست طيبة… خيرها على الكل… ليه عمل كده»؟!
بعد انتشار الجريمة وتفاصيلها، وقف أقارب المتهم يتحدثون للأهالي داخل المسجد الكبير بالقرية: يؤكدون «إحنا أبرياء منه… دا لا يمثل العائلة بأي حال من الأحوال… واللي عمله لا يمكن يرضي ربنا .»
بعضهم رفض زيارته في السجن، وآخرون أعلنوا أنهم لن يطلبوا له تخفيفًا أو يقدموا له مساعدة.
جريمة مضاعفة
تقول د. رانيا الكيلاني أستاذ علم الاجتماع السياسي بكلية الآداب جامعة طنطا: «هذه جريمة طمع وضعف نفسي، القاتل هنا استغل حب الضحية وثقتها، وهذا يجعل الجريمة مضاعفة الألم.»
أوضحت؛ «حين يقتل أحد أفراد الأسرة قريبه، فإن المجتمع كله يشعر بالحزن، لهذا كان الألم والغضب بهذا الحجم.»
رحلت الحاجة ماجدة، لكنها تركت جرحًا لا يلتئم في قرية كاملة.
جريمة ستظل علامة فارقة في تاريخ منية النصر، ليس فقط لأنها بشعة، بل لأنها جاءت من شخص كان يجب أن يحميها، لا أن يقتلها.
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







