رأى

المستشار طاهر الخولى يكتب: مجلس نواب بأصوات الناخبين

المستشار طاهر الخولى
المستشار طاهر الخولى


جسدت انتخابات مجلس النواب 2025 نقطة فارقة فى مسار التجربة والعملية السياسية ككل، لا سيما عقب ما شهدته المرحلة الثانية من اختلافٍ واضح ونسق مغاير لما جرى تماماً خلال المرحلة الأولى.

فالجولة الأولى اتسمت بارتباك لدى الناخبين والمرشحين بعد قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإلغاء وإعادة للانتخابات فى نحو 50 دائرة، مما أثار جدلًا واسعًا حول مدى تعبير النتائج عن رغبة وإرادة الناخبين.. وهو الأمر الذى ألقى الرئيس السيسى بحجر كبير داخله كان له عظيم الأثر.

لكن الوضع تغير تماماً خلال المرحلة الثانية، التى اتسمت بدرجة عالية جداً من الانضباط والشفافية لتؤكد على استقرار العملية الانتخابية، حيث رفضت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة جميع الطعون المُقدمة فيما عدا دائرة واحدة فقط، وأعلنت صحة النتائج، بما يعكس نزاهة الإجراءات وسلامة الاقتراع، ومنح الثقة للشعب بأن صوته وصل إلى من اختاره.

رفض الطعون كان رسالة قانونية وقضائية وسياسية واجتماعية حاسمة: النتائج التى أفرزتها الصناديق تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين، وأن الفائزين وصلوا بأصوات الناس عن جدارة واستحقاق، بعيدًا عن أى شكوكٍ أو جدل قانونى.

وبهذا المعنى، يمكن القول: إن الجولة الثانية على وجه التحديد أعادت الاعتبار لفكرة أن التصويت هو الأداة الأساسية للتغيير والتعبير عن الرأى، وأن الناخب حين يُدلى بصوته فى صناديق الانتخابات فإنه يُحتسب ويُترجم إلى مقعد داخل مجلس النواب، هذه الرسالة البسيطة والعميقة منحت العملية الانتخابية قيمتها، وجعلتها قادرة على دعم ثوابت الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، ويؤكد أن الممارسة الديمقراطية الحقيقية تتجسد فى أن من يختاره الناس هو من يمثلهم تحت قبة البرلمان.

وفى الوقت ذاته، أظهرت النتائج ملمحًا يتعلق بالاتجاهات السياسية داخل المجتمع المصرى، وهو ميل المزاج السياسى العام للناخب نحو اختيار مرشحى الفردى أكثر من ممثلى الأحزاب، هذا الميل يعكس طبيعة الثقافة السياسية السائدة، التى ما زالت ترى فى المرشح الفردى شخصية قادرة على تمثيل مصالحها المباشرة وتلبية احتياجاتها اليومية، بينما لم تنجح الأحزاب بعد فى ترسيخ حضورها أو إقناع الناخب ببرامجها على نحوٍ واسع.

والتجربة الحزبية ما زالت تواجه عدداً كبيراً من التحديات فى الشارع السياسى، وفى بناء جسور الثقة مع جمهور الناخبين، وهو ما يفرض عليها إعادة النظر فى أسلوبها، وتطوير خطابها السياسى ليكون مرتبطًا بواقع الناس وقضاياهم ومعبرًا عن تطلعاتهم فى المستقبل.

وعلى الرغم من أن اختيار مرشحى الفردى يبدو الخيار الأكثر رواجًا، فإن مستقبل الحياة السياسية المصرية بحاجة ماسة إلى وجود أحزاب قوية قادرة على خلق مساحة تنافسية فيما بينها، وتقدم بدائل حقيقية وواقعية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تكتمل دون أحزاب تحمل رؤى وبرامج واضحة، تقنع الناخب بأنه أداة للتغيير وليس مجرد شعار.

لهذا كله وكثير غيره، فإن إعادة الانتخابات فى نحو 50 دائرة من أصل 70 فى المرحلة الأولى.. وسلامة الانتخابات فى مرحلتها الثانية بالكامل يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن نواب البرلمان فى مجلس النواب جاءوا بأصوات الناخبين.