خمسينة

تأثير اللذاذة

عبد الصبور بدر
عبد الصبور بدر


قبل 14 عامًا وقفت على سطح بيت فى رفح المصرية ملاصقًا للحدود، لأشاهد غزة من المسافة صفر، لم يكن يفصل بينى وبين المدينة الفلسطينية إلا قفزة لأتمكن من عبور السور القصير إلى الجانب الآخر من شارع صلاح الدين!

كان الوقت هو الظهيرة، ورغم ذلك كانت غزة هادئة، وساكنة، لا صوت، ولا حركة، وكأننى أنظر إلى صورة قديمة بألوان باهتة، لا أميز فيها الشوارع من البيوت والناس، كانت أشبه بكتلة مجمّدة يتداخل فيها البشر والحجر والشجر، فى رمزية عصية على التفسير.

ومع ذلك لم أستطع مقاومة رائحة غزة النفاذة التى تحملها الرياح إلى صدرى فيتسع، رائحة مخدرة جعلتنى أترنح وابتسم من تأثير اللذاذة، وكأننى تناولت حبوبًا موسعة للشُّعب الهوائية بكمية كبيرة، فشعرت بحالة لا يمكن وصفها من السعادة، حالة لم تتكرر مرة أخرى فى حياتى إلا حين وقفت أمام الكعبة.
لا تبوح غزة بأسرارها للعابرين، ولا تحرمهم من هداياها، لا تسلّم لهم خرائطها، وتأسرهم بغموضها، تتمنع فى دلال، وتُقبل فى حياء، ابتسامتها مقابل قلبك، و»الغاوى ينقط بطاقيته» والفصال ممنوع.

من غزة والضفة الغربية، تخصص جريدة «الأخبار» صفحة الديوان هذا الأسبوع لأدباء فلسطين، من خلال نشر نصوصهم التى اختارتها وقدمتها الناقدة بديعة زيدان، والتى نتوجه لها بخالص الشكر والتقدير على مجهودها الوافر.. ونظرًا لضيق المساحة ننشر بقية النصوص التى أرسلتها الأستاذة بديعة فى أعدادنا المقبلة إن شاء الله.