الجمال والتكنولوجيا تحت سقف واحد حدائق أنطونيادس.. لقاء سحر التاريخ بعلوم المستقبل

حدائق أنطونيادس
حدائق أنطونيادس


٧٧ مليون جنيه لتحديث المعامل .. و«دى إن إيه» لحماية النباتات من الانقراض

إنتاج 100 صنف بتقنية زراعة الأنسجة.. أبرزها الأراك والجرة صائد الحشرات

الحديقة تضم أغرب نبات مائى.. الورقة الواحدة منه تحمل تمساحًا

بمجرد أن تعبر البوابات العتيقة لحدائق أنطونيادس، شرق مدينة الإسكندرية، تلك التى يعلوها أسدان من رخام الكرارا الإيطالى، تشعر وكأنك خطوت خارج الزمن، هنا حيث اختلطت أناقة الفصول الأربعة فى لوحة طبيعية تمتد لأكثر من 100 فدان، وحيث لا يزال عبق ملوك البطالمة يرفرف فوق ضاحية كانت تُعرف يوما بـ»إيلوزيس» أو «جنات النعيم»، يختبئ عالم آخر لا يعرفه كثيرون.
فخلف الأشجار العتيقة والزهور التى تحكى تاريخاً يمتد لآلاف السنين، تظهر لافتة صغيرة تشير بكلمة واحدة: «المعمل».

وهناك، داخل مبنى حديث يتوسط هذا المتحف النباتى المفتوح، تعمل نخبة من العلماء المصريين على مهمة دقيقة، وهى إنقاذ النباتات المهددة بالانقراض، وحماية التنوع الوراثى، وإحياء تراث نباتى عالمى باستخدام تقنيات تضاهى تلك الموجودة فى جامعة موسكو الزراعية «تيميرييازيف».
«الأخبار» كانت هناك لترافق الباحثين فى جولة داخل ثلاثة معامل حديثة، تتبع معهد بحوث البساتين، وخضعت لتطوير هو الأضخم بين عامى 2023 و2024 بتكلفة بلغت 77 مليون جنيه، معامل تجمع بين زراعة الأنسجة والتقنية الحيوية، وبحوث الغابات والأخشاب، والتحاليل الزراعية فى منظومة علمية متكاملة تُعيد الحياة إلى نباتات نادرة، وتصنع طفرات جديدة، وتضمن لحدائق أنطونيادس مكانتها كأحد أهم الحدائق التاريخية الحية فى العالم.
متحف نباتى مفتوح
يقول الدكتور أحمد بركات، المشرف العام على حدائق أنطونيادس والأفرع البحثية، إن معملى بحوث الغابات والأشجار الخشبية والتحاليل الزراعية أنشئا عام 1996، بينما أنشئ معمل الأنسجة النباتية والتقنية الحيوية عام 2010، إلا أنهم لم يكونوا كما هم الآن.
ويضيف «بركات» لـ «الأخبار» بينما يصحبنا فى جولة إلى معمل الأنسجة النباتية، قائلًا: «المبنى بالكامل والمعامل الثلاث خضعت لأكبر عملية تطوير بين عامى 2023 و2024 بتكلفة تقدر بنحو 77 مليون جنيه، وجرى تزويدها بأحدث الإمكانات والأجهزة العلمية».
وأوضح المشرف العام على حدائق أنطونيادس، أن الباحثين هنا فى المعامل يعملون من أجل الحفاظ على التنوع الوراثى بالحدائق وحمايتها من التدهور والانقراض، فضلًا عن إكثار النباتات خالية من الأمراض وفى أوقات قصيرة.
طفرات جديدة
ماذا يعنى زراعة الأنسجة النباتية؟.. سؤال أجابت عنه الدكتورة مى أحمد، المشرف على معمل زراعة الأنسجة النباتية والتقنية الحيوية، موضحة أنها من أهم طرق الزراعة الحديثة حيث يجرى أخذ جزء نباتى سواء كان «برعم أو ورقة أو ساق أو جذر أو الزهرة» وزراعتها على بيئة غذائية صناعية تحت ظروف بيئية معقمة ومتحكم فيها من درجة الحرارة وعدد ساعات الإضاءة.
وتضيف د.مى: بينما تشير إلى الأجهزة الحديثة والمستلزمات الخاصة بتكنيك زراعة الأنسجة التى يضمها المعمل ومنها وحدة خاصة بتفاعل الـ «بى سى آر» وعزل المادة الوراثية وجهاز أوتوكلاف وتدفق الهواء الانسيابى وغيرها، أن زراعة الأنسجة لها أهمية كبرى فى إنتاج أعداد كبيرة من نباتات الزينة الاقتصادية فى حيز صغير وفى أى توقيت من شهور السنة.
وأوضحت أن المعمل يمثل فرصة ذهبية لإجراء الأبحاث العلمية للباحثين والتطبيق العملى للرسائل العلمية لطلبة الدراسات العليا، إلى جانب الدورات التدريبية الخاصة بزراعة الأنسجة النباتية، منوهة أنه يجرى عمل تحاليل للحمض النووى «دى إن إيه»و»آر إن إيه «، وحفظ الأصول الوراثية وإنتاج البذور الصناعية.
وأشارت إلى أن أهداف وخطة العمل تشمل إنتاج أعداد هائلة من الأصناف النباتية خالية من الفيروسات وذات القيمة الاقتصادية العالية والمطلوب تداولها فى السوق، وإكثار الأصناف النباتية التى يصعب إكثارها بالطرق التقليدية والحفاظ على النباتات المهددة بالانقراض، فضلًا عن استحداث طفرات جديدة لاستنباط أصناف ذات صفات مورفولوجية مختلفة مرغوبة لدى المستهلك، وإنتاج أعداد كبيرة من النباتات الطبية لاستخلاص المواد الفعالة المستخدمة فى صناعات الأدوية ومستحضرات التجميل.
مسبحة القلوب
وإلى جانب وحدة الـ «بى سى آر» والجزء الخاص بزراعة الأنسجة، صحبتنا الدكتورة مى والدكتور أحمد بركات إلى «غرفة النمو» التى تحتوى على مجموعة من الاستاندات لتحضين النباتات تحت ظروف نمو متحكم فيها من إضاءة من خلال اللمبات الفلوروسينت متصلة بـ «تايمر» للتحكم فى ساعات الإضاءة المطلوبة ودرجة حرارة متحكم فيها من خلال جهازى تكييف.
ومن داخل ما يعرف بـ «صوب الأقلمة» وعددها اثنتان تابعتان لمعمل الأنسجة ومزودتان بوحدات تدفئة وشبكة رى ومغطاة بـ»السيران» لتوفير الظل الكافى لنمو النباتات، كشفت الدكتورة مى عن إنتاج عدد كبير من النباتات فى المعمل يتراوح بين 80 إلى 100 صنف منها «الوكاسيا بامبينو، أجلونيما، فيكس مطاط مبرقش، مسبحة القلوب، الجرة صائد الحشرات، سانجونيوم، وفوجير، والكلاديوم، وبندانس أحمر، الأراك» وبينها أصناف مهددة بالانقراض.
أشجار نادرة
ومن معمل الأنسجة إلى معمل آخر أقدم منه وهو الغابات والأشجار الخشبية، المختص بإجراء الأبحاث والتحاليل الخاصة بالصفات الفيزيائية والكيميائية للأخشاب والتى تحدد الاستخدامات المختلفة للأخشاب فى التصنيع والمنتجات الثانوية التى تنتج منها مثل عجائن الورق وإنتاج السليلوز واللجنين والمستخلصات والزيوت الطيارة وغيرها.
وأوضحت الدكتورة نشوى حسن، رئيسة بحوث بقسم بحوث الغابات والأشجار الخشبية بمعهد البساتين، أن المعمل يختص أيضًا بدراسة التركيب التشريحى للأخشاب للتعرف على نوعيتها وتصنيفها ودراسة التقلبات المناخية وفترات الجفاف التى تعرضت لها الأشجار، فضلًا عن جمع بذور الأشجار وإنباتها وتوفيرها للباحثين والطلبة والجمهور خاصة للأنواع النادرة وصعبة الإكثار.
وأشارت إلى أن المعمل يخدم الحديقة والطلاب والباحثين فى الكليات العلمية المختلفة مثل الزراعة والعلوم والصيدلة والفنون الجميلة إلى جانب المستثمرين والهيئات المختلفة ذات الصلة بهذا التخصص، منوهة أن المعمل يجرى حاليًا أبحاثًا على المحتوى الميكروبيولوجى للتربة حول جذور الأشجار مثل الفرانكيا والميكوريزا .
وأشارت د. نشوى إلى أن المعمل بعد تجديده وتزويده بأحدث الأجهزة مثل الميكروسكوب البيولوجى والذى يتيح إمكانيات أكبر وأوضح لدراسة التركيب التشريحى للأخشاب والنبات وإمكانية التصوير وحفظ البيانات ـ أصبح قادرًا على إجراء التحاليل والأبحاث المختلفة والإشراف على الرسائل العلمية وإجراء التجارب فى المعمل والمشتل.
وأضافت أنه يجرى حاليًا حصر وتوثيق للأنواع الشجرية والشجيرية بالحديقة وغيرها من الحدائق التاريخية الأخرى، وعمل خريطة صنفية تحدد الأنواع وأماكنها وأعدادها والأشجار النادرة الموجودة بالحديقة.
ملوحة التربة
وفى الطابق الأرضى من المبنى، حيث يقع المعمل الثالث والأخير والخاص بـ»التحاليل الزراعية»، قالت الدكتورة نجلاء محمد مصطفى، باحثة أولى فى معهد بحوث البساتين، إنهم فى المعمل يقومون بعمل كافة التحاليل الزراعية سواء للعينات النباتية أو التربة أو المياه، قائلة:» هنا نحدد درجة ملوحة المياه والتربة ونحدد أى صنف يصلح للزراعة».
وتضيف «د. نجلاء» فى حديثها لـ «الأخبار» أن كل هذه العوامل تؤثر على صحة النباتات مما ينعكس فى النهاية على إنتاجيتها وجودتها، قائلة:» المعمل هنا مفتوح ويقدم خدماته للجميع وليس مقتصرًا على حدائق أنطونيادس فقط».
وأشارت صاحبة خبرة 30 عامًا فى التحاليل الزراعية إلى وجود أجهزة بالمعمل تقيس نسبة كافة العناصر فى التربة والمياه والنبات، مؤكدة أن المعامل الثلاث تتكامل مع بعضها البعض.
اللوتس الأزرق
وعن وجود بعض النباتات المائية إلى حدائق أنطونيادس، أوضحت الدكتورة جورجينا وهيب رزق، باحثة أولى بقسم الحدائق النباتية بمعهد بحوث البساتين، والمتخصصة فى النباتات المائية، أنها أحضرت نبات اللوتس من الحديقة النباتية فى أسوان إلى أنطونيادس، قائلة:» النباتات دى لها أصول تاريخية عميقة ممتدة فى جذور التاريخ».
وأشارت إلى أن أشهر النباتات المائية فى مصر هى اللوتس الأزرق والبردى، والتى لها أدوار عديدة تنقسم بين الجمالى والبيئى، لافتة إلى أنها تستخدم كمأوى لمحط أرجل وأعشاش الطيور المهاجرة ووسيلة لإكثار بعض الأسماك الموجودة فى البيئة المائية وجذورها مأوى للزريعة، فضلًا عن بعضها تعمل كفلتر للمياه يزيل الملوثات الموجودة بها، وأزهارها تعطى شكلًا جماليًا.
وحول أغرب النباتات المائية، كشفت الدكتورة جورجينا وهيب عن نوع موجود فى الخارج يسمى «فيكتوريا أمازونيكا» الذى يصل قطر الورقة منه لحوالى 3 أمتار وتتحمل وزن تمساح أو مجموعة أشخاص، وهو يعيش فى المناطق الاستوائية ومنها نهر الأمازون.