علم المصريات : «أشعة مقطعية» تُعيد فتح ملف الجريمة

مَن قتل الكاهن «با-عنخ» قبل 2200 عام؟

 قبر كاهن مصرى فى طيبة القديمة،
قبر كاهن مصرى فى طيبة القديمة،


منذ أكثر من ألفى عام، أُغلق قبر كاهن مصرى فى طيبة القديمة، وانتهت معه قصة رجل حمل أسراره إلى العالم الآخر، لم يكن هناك شهود، ولا روايات تاريخية تشرح ما حدث فى ساعاته الأخيرة، وبدا أن الحقيقة قد ضاعت إلى الأبد، لكن فريقًا من الباحثين الإيطاليين قرر إعادة فتح الملف، ليس فى محكمة أو قسم شرطة، بل داخل جهاز أشعة مقطعية متطور.
بطل هذه القصة هو الكاهن المصرى «با-عنخ»، أحد رجال الدين الذين خدموا معبد رع بمدينة هليوبوليس (عين شمس القديمة)، خلال العصر البطلمى فى القرن الرابع قبل الميلاد، ظلت مومياؤه محفوظة فى متحف الطبيعة والإنسان بجامعة بادوفا الإيطالية لأكثر من 180 عامًا، قبل أن تتحوّل خلال دراسة نشرت فى دورية «ديجيتال أبليكيشنز إن آركيولوجى آند كالتشرال هيريتيدج»، إلى موضوع تحقيق علمى أقرب إلى تحقيقات الطب الشرعى الحديثة.
وبدلًا من فك اللفائف أو المساس بالجسد، استخدم الباحثون، جهاز أشعة مقطعية متعدد الشرائح لرؤية ما يخفيه الجسد من الداخل، وكما يفعل المحققون عند إعادة بناء أحداث جريمة قديمة، بدأ العلماء بتتبع كل أثر يمكن أن يكشف ما حدث خلال اللحظات الأخيرة من حياة الكاهن.
وسُرعان ما ظهرت أولى القرائن، فقد كشفت الصور وجود كسر شديد فى عظمة الترقوة اليمنى، إلى جانب كسر آخر فى عظمة العضد اليسرى، لم تكن هذه الإصابات مجرد تلف ناتج عن مرور الزمن أو عن عملية التحنيط، بل بدت وكأنها آثار صدمة عنيفة تعرض لها الرجل قبل وفاته.
هنا بدأ اللغز الحقيقى، فالكسران يقعان فى موضعين مختلفين من الجسم، ما يشير إلى تعرض الضحية لقوة كبيرة ومفاجئة، ورغم أن الدراسة لا تجزم بما إذا كان الرجل قد قُتل فى اعتداء مباشر أم نتيجة حادث عنيف، فإن نمط الإصابات دفع الباحثين إلى استبعاد فكرة الوفاة الطبيعية، وفتح الباب أمام احتمال أن يكون الكاهن قد مات فى ظروف مأساوية ظلت مجهولة لأكثر من 22 قرنًا.
ولم تتوقف الأدلة عند العظام، فقد كشفت الأشعة أيضًا، تفاصيل دقيقة عن عملية التحنيط التى خضع لها الجسد بعد الوفاة، وأظهرت الصور فتحات أحدثها المحنطون فى قاعدة الجمجمة للوصول إلى تجويف الرأس أثناء إجراءات التحنيط، إضافة إلى وجود بقايا راتنجات ومواد حافظة داخل تجاويف الجسم.
وتشير جودة التحنيط إلى أن صاحب المومياء كان شخصية مرموقة، فالأنسجة الرخوة مازالت محفوظة بدرجة لافتة، كما أن استخدام كميات كبيرة من المواد الراتنجية الثمينة كان يقتصر عادة على أصحاب المكانة الاجتماعية والدينية العالية، وتنسجم هذه النتائج مع ما ورد على التابوت من ألقاب تصف با-عنخ بأنه كاهن وخادم للإله رع وصاحب مكانة مهمة داخل المؤسسة الدينية المصرية.
وبعد جمع الأدلة التشريحية، انتقل العلماء إلى مرحلة أشبه برسم صورة المشتبه به أو الضحية فى التحقيقات الجنائية، فاعتمادًا على بيانات الجمجمة، تمكنوا من إعادة بناء ملامح وجه الكاهن رقميًا، ليظهر وجه رجل عاش قبل أكثر من ألفى عام وكأنه عاد للحياة للحظات قصيرة.
ورغم أن العلماء لم يعثروا على القاتل، ولم يتمكنوا من تحديد المشهد الأخير بدقة كاملة، فإن الدراسة نجحت فى كشف ما أخفته اللفائف طوال قرون، فهذا الكاهن لم يكن مجرد مومياء صامتة داخل تابوت أثرى، بل إنسان حقيقى انتهت حياته على الأرجح فى حادث عنيف ترك آثاره على عظامه، ثم حُنِّط بعناية فائقة قبل أن يدفن فى مقبرة مصرية قديمة.