طلاب يحولون «مطفئ الحرائق» إلى مصدر للطاقة
فى عالمٍ يبحث فيه الجميع عن بدائل للوقود الأحفورى، قد يبدو الحديث عن استخدام الماء كوقود أقرب إلى الخيال العلمى، لكن داخل كلية الهندسة بجامعة قناة السويس، نجح فريق من الطلاب تحويل هذه الفكرة إلى واقع عملى، عبر مشروع يحمل اسم «WATAGAS».
والمشروع الذى قام به الطلاب عبد الرحمن محمد عبد المطلب، ومحمود سمير صبرى محمد، وأحمد محمد زناتى طايع، ومحمد إبراهيم محمد منوفى، وإيمان محمد عيسى ديب، ويوسف مدحت زين العابدين حسن، تحت إشراف د. تامر محمد إسماعيل، هو نظام هندسى ينتج غازًا قابلًا للاحتراق من الماء مباشرة، دون الحاجة إلى تخزين الهيدروجين المضغوط أو الاعتماد على بنية تحتية معقدة.
هل يمكن أن يتحول الماء إلى وقود؟
للوهلة الأولى قد يبدو الأمر متناقضًا، فالماء هو المادة التى نستخدمها عادة لإطفاء الحرائق، فكيف يمكن أن يصبح مصدرًا للهب؟
الإجابة تكمن فى التركيب الكيميائى للماء نفسه. فجزئ الماء يتكون من ذرتى هيدروجين وذرة أكسجين. وعند تمرير تيار كهربائى عبر الماء فى عملية تُعرف بالتحليل الكهربائى، تنفصل هذه العناصر عن بعضها البعض، لينتج خليط من الهيدروجين والأكسجين يُعرف باسم غاز HHO أو «الأوكسى-هيدروجين»، وعندما يشتعل هذا الغاز، يعود الهيدروجين ليتحد مع الأكسجين، منتجًا حرارة مرتفعة وبخار ماء.
جاءت فكرة المشروع من تحدٍ حقيقى تواجهه العديد من المناطق الريفية والبعيدة عن المدن، حيث ترتفع تكاليف نقل الوقود التقليدى وتخزينه، فضلًا عن آثاره البيئية والصحية. لذلك سعى الفريق إلى تصميم نظام يسمح بإنتاج الوقود فى مكان استخدامه مباشرة، اعتمادًا على الماء والكهرباء فقط.
وتكمن أهمية هذه الفكرة فى أنها قد تفتح الباب مستقبلًا أمام أنظمة تعمل بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح لإنتاج الوقود محليًا، دون الحاجة إلى شبكات توزيع معقدة.
مصنع مصغر
لم يقتصر المشروع على إنتاج الغاز فقط، بل صمم الطلاب منظومة متكاملة تشبه «مصنع وقود مصغر».
فبعد إنتاج الغاز داخل خلية التحليل الكهربائى، يمر عبر سلسلة من المراحل تشمل التبريد والتنقية وإزالة الرطوبة والشوائب، ثم أنظمة أمان متعددة تمنع ارتداد اللهب إلى داخل الجهاز، قبل أن يصل فى النهاية إلى موقد الاحتراق.
وتكمن أهمية أنظمة الأمان فى أن الهيدروجين يمتاز بخفة وزنه وسرعة اشتعاله، وهو ما يجعل التعامل معه تحديًا هندسيًا كبيرًا. ولهذا السبب ركز الفريق على تصميم منظومة متعددة الطبقات تضم صمامات عدم رجوع ومانعات ارتداد اللهب وأنظمة لمراقبة التشغيل وإجراءات للإيقاف الطارئ.
إمكانات أوسع
رغم أن تشغيل موقد احتراق كان أحد التطبيقات العملية للمشروع، فإن الفريق يرى إمكانات أوسع بكثير لهذه التقنية.
فالغاز المنتج يمكن استخدامه كمساعد لزيادة كفاءة اللهب فى المشاعل الصناعية، أو فى أعمال اللحام الدقيقة، أو تشكيل الزجاج، أو بعض عمليات المعالجة الحرارية التى تتطلب حرارة مركزة وعالية. كما أن إنتاج الغاز عند الطلب يلغى الحاجة إلى نقل وتخزين كميات كبيرة من الوقود، وهى ميزة مهمة للمناطق البعيدة أو التى تعانى اضطرابات فى إمدادات الطاقة.
وأظهر التقييم الاقتصادى أن تكلفة بناء النموذج الأولى بلغت نحو 45 ألف جنيه مصرى. أما تكلفة التشغيل باستخدام الكهرباء التقليدية فكانت قريبة من تكلفة استخدام غاز البترول المسال، مع فارق محدود بلغ نحو 4.3% فقط.
لكن الصورة تصبح أكثر جاذبية عند دمج النظام مع الطاقة الشمسية، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية استرداد تكلفة النظام الشمسى خلال نحو 5.4 سنوات، مع تقليل الاعتماد على الكهرباء المشتراة من الشبكة.
الوقود الأخضر
من الناحية البيئية، يتميز احتراق غاز «الأوكسى-هيدروجين» بأن ناتجه الأساسى عند نقطة الاستخدام هو بخار الماء، ما يعنى غياب الانبعاثات الكربونية المباشرة تقريبًا. كما أن استخدامه كمساعد للاحتراق قد يساهم فى تقليل الدخان والملوثات وتحسين جودة الهواء داخل الورش وأماكن العمل.
وإذا جرى تشغيل المنظومة باستخدام الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية أو الرياح، فإن دورة إنتاج الوقود بأكملها تقترب من مفهوم «الوقود الأخضر»، الذى تسعى إليه العديد من دول العالم.
ماذا بعد؟
ويرى القائمون على المشروع أن النموذج الحالى ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة يمكن أن تشمل استخدام الذكاء الاصطناعى للتحكم فى معدل إنتاج الغاز، وربط النظام بالطاقة الشمسية، وتحسين تصميم الأقطاب ورفع الكفاءة التشغيلية. كما يمكن أن يتحول المشروع إلى منصة بحثية مستمرة فى مجالات الهيدروجين الأخضر والاحتراق النظيف والأنظمة الحرارية الذكية.
ولعل أكثر ما يميز المشروع أنه تجاوز حدود كونه مشروع تخرج جامعى، فبحسب الفريق، أسفرت نتائجه عن نشر بحث علمى فى دورية دولية متخصصة، بينما يخضع بحث آخر حاليًا للتحكيم فى مجلة دولية متخصصة فى أبحاث الهيدروجين.

بدوى: توظيف أحدث الحلول الرقمية للبحث وزيادة الإنتاجية
مفاجآت غير مسبوقة فى علم التحنيط الفرعونى
الطلاب يعرفون كورونا.. لكن ممارساتهم الوقائية ضعيفة





