أكرم السعدنى يكتب فى ذكرى ميلاد «الولد الشقى»: أبى محمود السعدنى ابن البلد.. والحكاء بلسان البسطاء

أكرم السعدنى
أكرم السعدنى


«مكوجى» كان سببًا فى اكتشاف موهبته

تأثر بالأحـيـاء الشــعـبـيـة وكان الحرافيــش أبطـــال حواديتـــه 

بهرته شخصية الضــابط فوندا فكـتـب روايتــــه  الجميلـة (الأفــــريــكى)

 مرت ذكرى ميلاد الكاتب الساخر الكبير محمود السعدنى الشهير بـ «الولد الشقى»، أمس، حيث ولد فى20 نوفمبر عام 1927.  نبتت شخصية الكاتب الساخر من بين شقوق هذه الأرض، فكان أحد مَن حملوا لواء التعبير عن هموم الناس، وعاش حياته مدافعًا عنهم بسلاح الكلمة الساخرة، التى رصد من خلالها جزءًا من تاريخ مصر السياسى والاجتماعى، وعن كواليس رحلة حياته غير المرئية لمحبيه، يطل علينا ابنه من نافذة حكى جديدة، الكاتب الصحفى الكبير أكرم السعدنى، بعددٍ من الحقائق والطرائف التى لم يكتبها الولد الشقى.    

شىء عظيم أن تحمل موهبة نادرة ليس لها نظير، ولكن ما أعظم أن تتهيأ الظروف وتضرب له تعظيم سلام وتفتح الحياة ذراعيها بالمراحب الحارة لصاحب الموهبة.

وقد كان لنشأة السعدنى فضل كبير فى تكوين شخصيته، فهو ابن الحارة المصرية الأصيلة وليس ابنًا للعشوائيات التى أخرجت أسوأ ما فينا، فى حارة سمكة بالجيزة عادت الحاجة أم محمود بمولود فريد فى نظرات عينيه التى تشع بالذكاء وتفيض بالمحبة، جعلت من كل مَن يراه يرتبط به، فقد ولد السعدنى فى بيت خالته زينب، حيث الرياح المنوفى ومرسى الرفاس الشهير الذى كان وسيلة الانتقال النهرى فى ذلك الزمن الجميل.

أبصر المولود محمود عثمان محمد على عبد الحميد السعدنى، النور يوم ٢٠ نوفمبر من عام ١٩٢٧، وأمضى الشهر الأول من عمره فى ريف المنوفية الأجمل، مركز الباجور كفر القرنين، وكان أكبر رأس فى البلد خلال هذه الأيام جده لأمه الشيخ خليل معوض الذى كان أحد أكبر تجار بورصة القطن.
وكان يسكن فوق أكبر تبة فى الكفر يشرف من منزله على جميع البيوت التى كانت من الطين.

وبين جده لأمه نشأت علاقة ليس لها مثيل، فقد ارتبط الشيخ خليل بالولد الشقى، وهو مَن أطلق عليه هذا الاسم منذ وقع عليه بصره للمرة الأولى، وكان للشيخ خليل هيبة ومكانة رفيعة فى الكفر، ولم يلق أى طفل فى العائلة ما ناله السعدنى من حب وعشق جده خليل، فكان يرسل الرفاس خصيصًا ليحمل ستى أم محمود كل شهر لكى يرى الطفل الصغير، ويقسم بأغلظ الأيمان أن كل مصروفات الولد الشقى سيتكفل بها هو ولا أحد سواه.

عشق جده خليل

وهكذا نشأ الولد الشقى على عشق جده خليل وارتبط به أكثر من والده عثمان، وكان الشيخ خليل هو مَن أطلق عليه اسم محمود على اسم عمه الوحيد الذى عاش ومات فى كفر القرنين، وكان اسمه أيضًا محمود السعدنى.

وكان للسعدنى ٣ أعمام: حامد وعبد السلام بالإضافة إلى محمود، كان يناديهم باسمهم، وكانوا إذا نادوا عليه يقولون يا عم محمود، حيث كان السعدنى شخصية جاذبة قيادية، إذا تحدث جذب الكل إلى فضيلة الاستماع، ولا يقطع عملية السمع إلا تلك الضحكات المجلجلة التى تنطلق من الأعماق على خفة دم غير مسبوقة على الإطلاق.

حكايات حارة سمكة

وهكذا تَنَقَّل السعدنى بين بيت والده فى حارة سمكة المتفرعة من شارع اسمه أحمد ماهر حيث سوق الخضار بالجيزة، وعلى ناصية الحارة كانت دكانة عم عبده بكر، تُزَيِّن المكان وتملؤه صخبًا وغناءً وأخبارًا ومسرحيات منبعها ذلك الراديو الضخم أبو بَكرتين كبار وسماعات قوية.

من خلال دكان عبده بكر، تعلّم الولد الشقى وهو فى المرحلة الابتدائية، الشىء الكثير، وأول ما تعلّم فضيلة الاستماع، حيث أجبره عبده بكر هو وزميله وجاره عبقرى هندسة الطرق العالمى بعد ذلك عبد المنعم عثمان، أجبراه على الاستماع إلى مسرحيات يوسف بك وهبى، وإلى صوت الآنسة أم كلثوم، وأيضًا إلى الشاب الجميل عبد الوهاب.

تخيلوا مكوجى هكذا كان يُسَلِّم أذنه إلى أصحاب الذوق الأرفع! هنا بدأت الحكاية، فقد انضم إلى هذا الثلاثى، عبده بكر وعبد المنعم عثمان والسعدنى ولد يكبر السعدنى بـ٣ سنوات اسمه أحمد طوغان.

مغامرات الولد الشقى

كان والده ضابط شرطة شديد الانضباط، حلم لولده أن يكون طبيبًا شهيرًا أو مهندسًا يُشار إليه بالبنان، ولكن هذا اللقاء التاريخى بين أحمد بن الضابط طوغان، ومحمود بن عثمان السعدنى الموظف البسيط فى هيئة سكك حديد مصر، كان هو اللقاء الذى ضرب بعرض الحائط تمنيات ومخططات الآباء على الناحيتين.
فقد سحب السعدنى، طوغان، إلى الساحة التى تتوسط حارتهم حيث لعب الكرة ليل نهار، وفى المساء يتوجّه الثلاثى إلى دكان عبده بكر، وتعلّم الثلاثى تدخين السجائر فى وقت مبكر جدًا.

وكان عبده بكر، بعد انتهاء يوم شاق من العمل يضم البنكين معًا داخل دكانه ويسحب كرسيًا خارج الدكان، ويتحول الدكان إلى مسرح، وخشبة المسرح هى محل تلاقى البنكين، ويقوم بتوزيع الأدوار ليلعبوا نفس الرواية التى استمعوا لها ليوسف بك وهبى. ومن هنا بدأ الثلاثى عملية الارتباط بالفنون من خلال هذا المكوجى العجيب الشأن، وكانت زوجة عم عبده تحضر طعام العشاء للفرقة المسرحية والمخرج ليلًا، والمكوجى نهارًا عم عبده.

مسرح عبده بكر

وكانت حرمه تصحب معها بعض الجيران لمشاهدة مسرح عبده بكر ونجوم مسرحه، وفى الشتاء كانت الشلة تتجه إلى المخبأ، حيث لعب الكرة فى أجواء دافئة، ولكن بعد عدة مسابقات كروية كانت ضحايا أحمد طوغان تفوق عدد أهداف الفرق كلها فى بطولة أرض ماتوسبان، ولهذا اشترطت كل الفرق أن يعتزل طوغان لعب الكرة ويتجه للتحكيم، وهو أمر كان شديد الصعوبة.

وعندما كبر الثلاثى، كانت الأحلام تراودهم بلعب دور فى الحياة، أى دور، فاتجهوا إلى الأحزاب، ولكن والد عبد المنعم عثمان علم بالأمر، وكان رجلًا كافى غيره شره، لذلك أمر ابنه بالابتعاد نهائيًا عن السياسة لأنها لا تجلب... منذ هذا اليوم، أقسم الصديقان بعدم الذهاب إلى أى فرع للإخوان فى أى مكان، وكانت الأفكار تشغل الثنائى، فقد قامت الحرب العالمية الثانية، وعساكر إنجليز فى كل مكان، وأفارقة وهنادوة وأستـراليين.

قهوة المعلم إبراهيم

وحدث أن صادق طوغان والسعدنى على أشهر مقاهى الجيزة، قهوة المعلم إبراهيم عبد البر ضابط فى الكتيبة الأفريقية، كان شابًا فارع القوام أحب أهل مصر لدرجة العشق خصوصًا أولاد البلد، وكان ضيفًا دائمًا على طواجن المعلم، ونشأت صداقة بينه وبين جميع رواد القهوة، وكان يمولهم بالسجائر الخواجاتى، وكل مشاريبه على حساب صاحب المحل بالإضافة إلى الطواجن.

من خلال هذا الضابط كتب السعدنى روايته الجميلة (الأفريكى)، واختار السعدنى الفنان الجميل محمد حمام المطرب المصرى الرائع ليلعب شخصية الأفريكى، ولكن طوغان والسعدنى شأن كل أهل مصر ناصبا القوات الإنجليزية العداء، وتحول نشاطهما بالكامل لينصب فوق رؤوس العساكر «طوب وزلط وتراب».

فقد كان أحد العساكر الإنجليز يدخل إلى حوارى الجيزة ليبيع السجائر والشاى والقهوة والأرز والسمن الخاص بالمعسكرات إلى صاحب بقالة شهير فى شارع سعد وآخر بالصنادلة، واكتشف الرجل صحيفة الحائط التى اخترعها الثنائى.

وذهب الرجل وعاد مع قوات يبحثون ويسألون عن أصحاب هذه الرسوم، أيامها ذهب الولد الشقى بصحبة طوغان إلى حيث الرجل الذى كان هو الملجأ والملاذ إلى الشيخ خليل حتى هدأت الحكاية تمامًا.

وهنا نصح الشيخ، الثنائى بأن يبحثا عن عمل فى الصحف التى وصفها بأنها على «قفا من يشيل»، وبدأت رحلة الثنائى فى البحث عن الذات، وكان زكريا الحجاوى هو الراعى وهو الحاضن وهو مفتاح الأبواب التى بدت من بعيد صعبة المنال.

رحم الله السعدنى وجيله الأروع..

الفاتحة أمانة.