أوراق شخصية

أزمة غياب أم انتماء؟!

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


هناك ظاهرة تفرض نفسها بقوة فى كل دورة من مهرجان القاهرة السينمائى الدولي: غياب شبه كامل للأجيال الشابة من النجوم وصُنّاع السينما. فبينما تتزيّن افتتاحات الجونة وبعض المهرجانات العابرة للحدود بوجودهم اللافت، تتوارى وجوههم عن شاشة القاهرة، ويظل الحضور محصورًا فى الأسماء التى دعمت المهرجان منذ كانت شابة، واستمرت فى مساندته حتى اليوم؛ نجوم ظلّوا جزءًا من روح هذا الكيان، وكان حضورهم دائمًا نابعًا من إيمان برسالته واحترام لتاريخه.
المفارقة المؤلمة أن هذا الغياب لا ينكسر إلا عندما يكون التكريم من نصيبهم، وحين تنتهى لحظة التصفيق، يختفون مجددًا، وكأن المهرجان لا يعنيه إلا بمقدار ما يمنحه من بريق لحظة. فبالله عليكم، أى معنى يمكن أن نقرأه فى هذا الفراغ الصادم عن أقدم وأهم مهرجان سينمائى فى الشرق الأوسط وإفريقيا؟ 

ويبقى السؤال: كيف يغيبون عن مهرجان هو الذى حفظ للسينما المصرية مكانتها عالميًا عبر عقود، بينما يتواجدون بحماس فى مهرجانات تستورد بريقها وتفتقر إلى عمق تاريخى وفني؟ هل عزوف عن المشاركة فى مهرجان وُلد على أرض بلدهم وصنع أسماءً كثيرة منهم؟ أم تقصير فى إرسال الدعوات والتواصل مع هذا الجيل؟ أم الحقيقة أكثر إحباطًا: أن بعضهم يعشق أجواء المجاملات والفسح والاحتفالات أكثر مما يحب السينما نفسها؟ الشيء المؤكد أن مقاعد كثيرة تظل شاغرة، كان ينبغى أن يشغلها نجوم المستقبل!

هذا الغياب يضع علامات استفهام حول علاقة هذا الجيل بهويته السينمائية، فحضور مهرجان القاهرة لم يكن يومًا رفاهية، ولا ترفًا، بل انتماء قبل أن يكون مشاركة، ووعيًا بقيمة مهرجان يقاوم وسط ظروف وتحديات شديدة الصعوبة، وفى لحظة إقليمية لا ترحب بتفوق مصر، ولا بتاريخها السينمائى الممتد لأكثر من 120 عامًا. 

المؤكد أن مهرجان القاهرة لا يحتاج إلى أحد ليبرهن قيمته، لكن النجوم الشباب يحتاجون إلى القاهرة ليتذكروا أن السينما مسئولية، وأن الفن ليس مناسبة لتغيير الإطلالات، بل جزء من تاريخ بلد لا يملك أحد فى المنطقة منافسته، لا فنيًا ولا بشريًا ولا ثقافيًا. واستمرار هذا الغياب لن يسيء إلى المهرجان، بل يُسيء إلى صورة نجوم شباب باتوا ينظرون إلى حضور المهرجان بوصفه «مجاملة مجانية»، ولا يدركون حجم الإرث الذى صنعهم، فهل سيظل غيابهم هو «النجم» الأكثر ظهورًا على مسرح مهرجان القاهرة؟