يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية من سورة البقرة : قال الحق: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾. إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزًا، وطرف يقول: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ورب يقول: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾. ونريد أن نحل هذا اللغز إن الحق سبحانه صادق ومُنزّه والعبد المؤمن صادق فى حدود ما رأى من أحواله ونريد دليلا على هذا، ودليلا على ذاك نريد دليلا على صدق العبد فى قوله: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ونريد من الحق سبحانه وتعالى دليل اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد إلى الحياة.
ونقول: إن فى القصة ما يؤيد ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وما يؤيد ﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾، فقد كان مع الرجل حماره، وكان معه طعامه وشرابه من عصير وعنب وتين فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾، وأراد أن يدلل على الصدق فى القضيتين معًا قال: ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا، وهذا دليل على أنه لم يمكث إلا يوما أو بعض يوم، وبذلك ثبت صدق الرجل، بقيت قضية ﴿مِاْئَةَ عَامٍ﴾ .
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى| إبراهيم وإحياء الموتى
فقال الحق: ﴿وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ وهذا القول يدل على أن هنا شيئا عجيبا، وأراد الله أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلًا على صدق مرور مائة عام، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظامًا مبعثرة، ولا يمكن أن يحدث ذلك فى زمن قصير، فإن موت الحمار أمر قد يحدث فى يوم، لكن أن يرم جسمه، ثم ينتهى لحمه إلى رماد، ثم تبقى العظام مبعثرة، فتلك قضية تريد زمانًا طويلًا لا يتسع له إلا مائة عام، فكأن النظر إلى الحمار هو دليل على صدق مرور مائة عام، والنظر إلى الطعام دليل على صدق ﴿يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فالقضية إذن قضية عجيبة، وكيف طُوى الزمن فى مسألة الطعام، وكيف بُسط
الزمن فى مسألة الحمار إنه سبحانه يظهر لنا أنه هو القابض الباسط، فهو الذى يقبض الزمن فى حق شيء، ويبسط الزمن فى حق شيء آخر، والشيئان متعاصران معا وتلك العملية لا يمكن أن تكون إلا لقدرة طليقة لا تملكها النواميس الكونية، وإنما هى التى تملك النواميس.
وقد قال الحق سبحانه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، فمن هم الناس الذين سيجعل الله من قضية الذى مر على قرية آية لهم؟ كان لابد أن يوجد أناس فى القصة، لكن القرية خاوية على عروشها، وليس فيها إنسان أو بنيان، أهم الذين كانوا فى القرية أم سواهم؟ قال بعض المفسرين هذا، وقال البعض الآخر الرأى المضاد.
وأصدق شيء يمكن أن يتصل بصدق الله فى قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ هو قبض الله للزمن فى حق شيء، وبسطه فى حق شيء آخر، وعزير كما قال جمهرة العلماء هو الذى مر على قرية، وعزير هذا كان من الأربعة الذين يحفظون التوراة، فلم يحفظ التوراة إلا أربعة: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع، وقد أراه الله العظام وكيف ينشزها ويرفعها فتلتحم ثم يكسوها لحما، أى أراه عملية الإحياء مشهديًا، وفى هذا إجابة للسؤال: ﴿أنى يُحْيِى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟
والحق يقول: ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ و﴿نُنْشِزُهَا﴾ أى نرفعها، ورأى «عزير» كل عظمة فى حماره، وهى ترفع من الأرض، وشاهد كل عظمة تركب مكانها، وبعد تكوين الهيكل العظمى للحمار بدأت رحلة كسوة العظام لحمًا، وبعد ذلك تأتى الحياة.
لقد وجد عزير إجابة فى نفسه، ووجد إجابة فى الحمار، ومن بعد ذلك تذكر قريته التى خرج منها، وأراد العودة إليها، فلما عاد إليها وجد أمرها قد تغير بما يتناسب مع مرور مائة عام، وكان فى تلك القرية مولاة لهم، أى أمة فى أسرته، وكانت هذه الأمة قد عميت وأصبحت مقعدة، فلما دخل وقال: أنا العزير. قالت الأمة: ذهب العزير من مائة عام ولا ندرى أين ذهب ولم يعد؟
قال: أنا العزير قالت: إن للعزير علامة، هذه العلامة أنه مجاب الدعوة، ولم تنس نفسها. قالت: فإن كنت العزير فادع الله أن يرد عليَّ بصرى وأن يخرجنى من قعودى هذا فدعا عزير الله فبرئت، فلما برئت؛ نظرت إليه فوجدته هو العزير فذهبت إلى قومها وأعلنت أن العزير قد عاد وبعد ذلك ذهب العزير إلى ابنه، فوجده رجلا قد تجاوز مائة سنة، وكان العزير لا يزال شابا فى سن خمسين سنة.
ولذلك ترى الشاعر يقول مُلغزًا: وما ابنٌ رأى أباه وهو فى ضعف عمره؟ والمقصود بهذا اللغز هو العزير الذى أماته الله وهو فى الخمسين ثم أحياه الله فى عمره نفسه بعد مائة عام، والتقى العزير بابنه. قال الابن: كنت أسمع أن لأبى علامة بين كتفيه «شامة». فلما كشف العزير كتفه لابنه وجد الشامة.
وتثبت أهل القرية من صدق عزير: بشيء آخر هو أن (بختنصر) حينما جاء إلى بيت المقدس وخربها حرق التوراة، إلا أن رجلا قال: إن أباه قد دفن فى مكان ما نسخة من التوراة، فجاءوا بالنسخة، قال العزير: وأنا أحفظها.
وتلا العزير التوراة كما وُجدت فى النسخة، فصدق القوم أنه العزير، وتعجب الناس وهم يشاهدون ابنا تخطى المائة وأبا فى سن الخمسين. ولذلك يذيل الحق الآية بالقول: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







