يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: والحق حين يذكر القرية فى القرآن فهو يقصد فى بعض الأحيان الحديث عن أهلها مثل قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ «يوسف: ٨٢» إن أبناء يعقوب عليه السلام حين عادوا من مصر وتركوا أخاهم الأصغر مع يوسف عليه السلام قالوا لأبيهم: أرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر واسأل بنفسك زملاءنا الذين كانوا معنا فى القافلة، وسيقولون لك: إننا قد تركنا أخانا بمصر. لكن سؤال الذى مر على القرية الخاوية على عروشها هو سؤال عن أهلها.
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى.. الفرق بين الموت والقتل
﴿أنى يُحْيِى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وساعة تسمع ﴿أنى﴾ فهى تأتى مرة بمعنى «كيف»، ومرة تأتى بمعنى: «من أين»، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالي: «كيف يحيى الله هذه بعد موتها»؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك فى أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن الله هو الذى يحيى ويميت، وهذه ستأتى فى قصة سيدنا إبراهيم: ﴿أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى الموتى﴾ «البقرة: ٢٦٠» هو لا يشك فى أن الله يُحيى الموتى، إنما يريد أن يرى كيف تتم هذه الحكاية؛ لأن الذى يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث.
والسؤال عن الكيفية معناه التيقن من الحدث، فقول الحق: ﴿أنى يُحْيِى هذه الله﴾.. يعني: كيف يُحيى الله هذه القرية بعد موتها، فكأن القائل لا يشك فى أن الله يُحيي، ولكنه يريد الكيفية، والكيفية ليست مناط إيمان، فالله لم ينهنا عن التعرف عن الكيفية؛ فهو يعلم أننا نؤمن بأنه قادر على إيجاد هذا الحدث.
وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى فمُصمم الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة، أنت تراها، فأنت تتيقن من أنه صانعها، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة، وتقول له: بالله كيف عملت هذه؟ كأنك قد عشقت الصنعة! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت، فما بالنا بصنعة الحق تبارك وتعالى؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش فى ظل السر السائح من الخالق فى المخلوق، وتريد أن تنعم بهذه النعم.
ومثال آخر ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد أنت ترى مثلا لوحة رسمها رسام، فتقول له: بالله كيف مزجت هذه الألوان؟ أنت لا تشك فى أنه قد مزج
الألوان. بل تريد أن تسعد نفسك بأن تعرف كيف رسمها، إذن فقوله وقول إبراهيم بالسؤال فى الإحياء والإماتة فيما يأتى ليس معناه أنه غير مؤمن بل هو عاشق ومشتاق لأن يعرف الكيفية؛ ليعيش فى جو الإبداع الجمالى الذى أنشأ هذه الصنعة.. ونعلم أن إحياء الناس سيترتب عليه إحياء القرية، فالإنسان هو باعث الحركة التى تعمر الوجود، والناس لهم حياة ولهم موت، والقرية بأنقاضها وجدرانها وعروشها لها حياة ولها موت. وعندما سأل العبد هذا السؤال، أراد الله أن تكون الإجابة تجربة معاشة فى ذات السائل؛ لذلك يأتى القرآن بالقول ﴿فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ﴾ .
إن صاحب السؤال قد أراد أن يعرف الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيمانا بواقع مشاهد ﴿فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ﴾ لقد جعل الله الأمر والتجربة فى السائل ذاته وهذا إخبار الله. لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا «الحول» عاما؛ لأن الشمس تعوم فى الفلك كله فى هذه المدة، والعوم سَبْحٌ، والحق يقول: ﴿وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ «يس: ٤٠» ولذلك نسميه عامًا. ﴿فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، فكأن الله قال له كلامًا كما كلم موسى، أو سمع صوتًا أو ملكًا أو أن أحدًا من الموجودين رأى التجربة. فالمهم أن هناك سؤالًا وجوابًا. ويخبرنا الحق سبحانه بحوار دار فى هذا الشأن، السؤال هو: كم لبثت؟ فأجاب الرجل: لبثت يومًا أو بعض يوم.
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي |معنى «لا إكراه فى الدين»
وإجابة الرجل تعنى أنه قد تشكك، فقد وجد اليوم قد قارب على الانتهاء أو انتهى، أو أنه عندما رأى الشمس مشرقة أجاب هذه الإجابة: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أو يكون قد قال ذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يتحكم فى تقدير الزمن. فهل هو صادق فى قوله أو كاذب؟ إنه صادق، لأنه لم ير شيئًا قد تغير فيه ليحكم بمقدار التغير، فلو كان قد حلق لحيته مثلًا، وقام بعد ذلك ليجد لحيته قد طالت، أو قد
نام بشعر أسود، وقام بعد ذلك بشعر أشيب، فلو حدثت أية تغيرات فيه لكان قد لمسها، لكنه لم يجد تغيرًا.. فماذا كان جواب الحق؟ قال الحق: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾ . إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزًا.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







