إلى الإخوة السودانيين.. كان عندكم بلد عظيم، وله مواقف بطولية فى القضايا القومية، ولا ننسى دوركم أيام الحكام العرب العُظماء، حين تصدى السودان للصلح بين الزعيمين جمال عبد الناصر والملك فيصل، فى القمة العربية بالخرطوم أعقاب هزيمة ١٩٦٧، وهى المعروفة بقمة اللاءات الثلاثة «لا تصالح، لا تفاوض، لا اعتراف»، وكانت الأزمات بين البلدين فى ذروتها بسبب الحرب فى اليمن.
السودان المُمَزق الآن وشعبه ينزف دمًا، كان له شأن فى بناء موقف عربى قوي، أعقاب نكسة يونيو، وخرج الشعب السودانى لاستقبال عبدالناصر بشكلٍ أسطوري، وافترش الملايين طريق المطار، وارتسمت الابتسامة على وجه عبدالناصر لأول مرة منذ انتهاء الحرب، وخرجت من الخرطوم الرسالة الأولى: عبدالناصر لا يزال زعيمًا للعرب.
السودان الذى تعبث به الحرب المجنونة، تقتل وتغتصب وتحرق الأخضر واليابس، ويُساق أهله الطيبون إلى المجازر الدموية البشعة، ضاع يوم أن تحكمت فى مصيره الميليشيات المأجورة، ووقع فى براثن الإخوان، فتبدلت نعمته فقرًا وأمنه خوفًا.
إلى الإخوة السودانيين.. أعود بالذاكرة إلى الوراء، لتعرفوا أين كنتم وكيف أصبحتم؟، وكان عندكم رئيس وزراء قوى اسمه محمد أحمد المحجوب، لعب دور رسول السلام بين مصر والسعودية، وأقام مأدبة عشاء فى منزله لعبدالناصر، وحلف بالطلاق أن يتصافحا، وقد حدث.
السودان كان له دور كبير فى رأب الصدع، ودافع عن الدعم العربى لدول المواجهة، لتحقيق الانسحاب من الأراضى العربية المُحتلة، وكان عبدالناصر يعتقد أن مصر تستطيع تحرير سيناء، ولكنه كان قلقًا على الوضع بالضفة الغربية والقدس، وعاد من السودان مُنتصرًا رغم الهزيمة، ومُزوَّدًا بشحنات حماسية رائعة، استمدها من روح الشعب السودانى وحبه لمصر، ووقوفه بجانبها فى لحظات الشدة.
كانت حرب ٦٧، وهى الأزمة الأكبر فى تاريخ العرب، نموذجًا لدور سودانى فَعَّال، حفاظاً على تماسك العروبة ووحدتها، ومنع انفراط عقدها، والآن يكاد عقد السودان أن ينفرط، وتتكالب عليه المؤامرات من كل اتجاه.
هذا هو السودان الذى نتمنى عودته قويًا مُوحدًا عزيزًا كريمًا، وهو شريك أساسى لمصر فى ملف مياه نهر النيل، وهناك تعاون مشترك بين البلدين فى مواجهة تحديات سد النهضة الإثيوبي.
السودان الذى يمثل العمق الاستراتيجى الجنوبى لمصر، وأى اضطرابات فيه تؤثر على الأمن القومى المصري، وبين البلدين حدود مشتركة حوالى ١٢٦٧كم، تجعل استقرار السودان أمرًا حيويًا لأمن مصر، وتحتم التنسيق الكامل بين البلدين.
مصر والسودان بالذات، وبين البلدين رصيد ثقافى وعلاقات شعبية هائلة، تقف كحائط صد ضد أى خلاف أو وقيعة، لأن ما يجمع الشعبين هو رباط قوى تمتد جذوره منذ القدم، وتؤكد مصر دائمًا أن أمن واستقرار السودان جزء من أمن واستقرار مصر.
السودان بلد طيب وأصيل ولا يستحق شعبه ما يحدث له، وبيننا وبينهم قواسم مشتركة، ويجرى النيل فى عروقنا، وندعو الله بأن يسترد عافيته ويعود بلدًا للأمجاد.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







