خواطر الشعراوى.. قوانين الروح

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة، إن الروح لا تحل إلا فى مادة خاصة، فإذا انتهت المقومات الخاصة فى المادية فالروح لا تسكنها، فلا تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا، هو لم يخرج الروح لأن الروح بمجرد ما انتهت البنية تختفى.. والمثال الذى يوضح ذلك: لنفترض أن أمامنا نورًا، إذا كسرت الزجاجة يذهب النور. هل الزجاجة هى النور؟ لا، لكن الكهرباء لا تظهر إلا فى هذه الزجاجة، كذلك الروح لا توجد إلا فى بنية لها مواصفات خاصة، إذن فالقاتل لا يخرج الروح ولكنه يهدم البنية بأمر محس؛ فالأمر الغيبى وهو الروح لا يسكن فى بنية مهدومة.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي.. معنى «ألم تر»

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِى رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾، انظر إلى الطغيان أتجعل إيتاء الملْكُ وهو نعمة وسيلة إلى التمرد على من أنعم عليك بهذا؟ أتجعل شكر النعمة بأنك تخالف المنعم؟ من الذى أبطره؟ أأبطره أن آتاه الله الملك؟ وكيف يعين الله واحدًا ليس مؤمنًا به؟ والمُلْكُ بمعنى الأمر والنهى إنما يكون للمبلغ عن الله، إنما الملك الآخر مُلْكُ السلطان بأن يُحَكِّمَ إنسانا على جماعة، فمن الجائز أن يكون مؤمنًا، وأن يكون كافرًا.

وقوله ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذى يُحْيِى وَيُمِيتُ﴾ هو جواب على من قال: «من ربك» فجاءته إجابة إبراهيم عليه السلام ﴿رَبِّيَ الذى يُحْيِى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِى وَأُمِيتُ﴾ وعرفنا ما فى هذا الأمر من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تُحيى وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبى وهو الروح، وتعال للأمر المشهود ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذى كَفَرَ﴾.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي.. ولايات الله

ولأن الله ولى الذى آمنوا فهو سبحانه لم يلهم المحاج أن يَرُدّ؛ كان يستطيع أن يقول له: اجعل من يأتى بها من المشرق يأتِ بها من المغرب، لكنه لم يقلها ﴿مما يدل على أنه غبي﴾ أو يكون ذكيًا فيقول: إن الرب الذى معه بهذا الشكل قد يفعلها، فخاف. إذن فـ ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ حقًا. وهو سبحانه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ . وما معنى كلمة «بُهِتَ»؟ إن البهت يأخذ ثلاث صور: الصورة الأولى: الدهشة؛ نَقَله فيما يمكن أن تحدث فيه مماحكة إلى ما لا تحدث فيه مماحكة وجدال، أراد أن يجد أمرًا يرد به فلم يقدر، مثلما قال: أنا أحيى وأميت، لقد هش، وأول ما فاجأه هو الدهش، ثم كان التحيّر، أراد أن يجد أى مخرج من هذه الورطة فلم يجد، إذن فقد هُزم. فهذه هى نهاية البَهت. فـ «بُهت» تعنى أنه دهش أولًا، فتحير فى أن يرد ثانيًا، فكان نتيجة ذلك أنه هُزم ثالثًا، وهذا أمر ليس بعجيب؛ لأنه مادام كافرًا فليس له ولي، أو وليه من لا يقدر ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت﴾، أما إبراهيم خليل الرحمن فوليه الله.

ويختم الحق الآية بقوله: ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ لا يهديهم إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلى حجة، لأن وليهم الشيطان، ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ والآية التى تأتى من بعد ذلك كلها ستتدخل فى الحياة والموت، ومن المهم أن الآية تدخل فى الحياة والموت كى لا نفهم أن إبراهيم إنما ترك المحاجة مع ذلك الذى حاجّه فى أمر الموت والحياة هربًا من الكلام فيها، لذلك يريد الله أن يستوفى تلك القضية استيفاء فى قصص متعددة، ويبسط الحق القضية التى عدل عنها إبراهيم وهى الموت والحياة فيقول سبحانه: ﴿أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ...﴾

وعندما ننظر إلى بداية الآية نجدها تبدأ بـ «أو»، وما بعد «أو» يكون معطوفًا على ما قبلها، فكأن الحق يريد أن يقول لنا: أو (أَلَمْ تَرَ) إلى مثل الذى مر على قرية.. وعندما تسمع كلمة ﴿قَرْيَةٍ﴾ فإنها تفيد تجمع جماعة من الناس يسكنون فى مكان محدود، ونفهم أن الذى مر على هذه القرية ليس من سكانها، إنما هو قد مر عليها سياحة فى رحلة. ونلحظ كذلك أن الحق سبحانه لم يشأ أن يأتى لنا باسم القرية أو باسم الذى مر عليها.

قال البعض: إنه هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزير، وقد قلنا من قبل: إنه إذا أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأى أحد أن يحدث معه هذا.. ﴿أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾ . وقالوا: إنها بيت المقدس، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ وحتى نفهم معنى خاوية على عروشها، لنا أن نعرف أننى عندما أقول: «أنا خويان» أى «أنا بطنى خاوية»: «جوعان» فـ «خاوية» المقصود بها أنها قرية خالية من السكان، وقد تكون أبنيتها منصوبة، لكن ليس فيها سكان، والحق بقوله عن تلك القرية: إنها خاوية على عروشها، و«العرش» يطلق على البيت من الخيام، ويطلق كما نعرف على السقف، فإذا قال: ﴿خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أى أن العرش قد سقط أولًا، ثم سقطت الجدران عليه، مثلما نقول فى لغتنا العامية: «جاب عاليها على واطيها».

وعندما يمر إنسان على قرية مثل هذه القرية فلا بد أن مشهدها يكون شيئًا لافتًا للنظر، قال: ﴿أنى يُحْيِى هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فكأنه يسأل عن القرية، وعن إماتة وإحياء الناس الذين يسكنون القرية.