خواطر الشعراوي.. ولايات الله

الشيخ محمد متولي الشعراوي
الشيخ محمد متولي الشعراوي


يواصل الشيخ الشعراوي خواطره حول سورة البقرة بقوله: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾؟ إنه وليهم أى ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما أوضح لهم من الأدلة على الإيمان، هل هناك حُب أكثر من هذا؟ هل تركنا لنبحث عن الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟

وتلك هى ولاية من ولايات الله. فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا وَالانَا بالمعونة، وإن حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء الأوفى فى الآخرة، إذن فهو وليّ فى كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ولي.

ومع الإيمان استصحابًا يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفى الآخرة هو وليّنا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاءً غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي.

﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان؛ لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئًا إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئى أى أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتى من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتى النور فأنت تستبين الأشياء، هذه فى الأمور المُحسَّة؛ وكذلك فى مسائل القيم، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾.

هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم فى ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾، أى يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد: أما دريت أن أبى أخرجنى من ميراثه؟ إن معنى ذلك أنه كان له الحق فى التوريث، وأخرجه والده من الميراث.

◄ اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى |العروة الوثقى

وهذا ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان فى مواقع أخرى، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه فى السجن: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إنى أرانى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخر إِنِّى أرانى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى ربى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ «يوسف: ٣٦ - ٣٧».

فهل كان سيدنا يوسف فى ملة القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، إنه لم يدخل أساسًا إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون بالله. إن هذه الملة كانت أمامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه السلام. وفى التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق: ﴿والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ «النحل: ٧٠».

إن معنى الآية أن الله قد خلقنا جميعًا، وقدر لكل منا أجلًا، فمنا من يموت صغيرًا، ومنا من يبلغ أرذل العمر، فيعود إلى الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معنى الآية أن الإنسان يوجد فى أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة.

وعندما يقول الحق: ﴿والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾ فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت، لأن الطاغوت كما قلنا: ألوان متعددة، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت.

وجاء الحق بالخبر مفردًا وهو الطاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء، ووصف هؤلاء الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات.

لقد أفرد الله الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى الظلمات. ولماذا لم يقل الله هنا: «طواغيت» بدلا من طاغوت؟ إن الطاغوت كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول: «فلان عدل» أو «الرجلان عدل» أو «الرجال عدل». وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت، فالشيطان والدجال والكاهن.

والساحر والحاكم بغير أمر الله؛ كلهم طاغوت، لقد التزمت الآية بالإفراد والتذكير. فالطاغوت تُطلق على الواحد أو الاثنين أو الجماعة، أى أن المُخرجين من النور إلى الظلمات هم أولياء الطاغوت، أو من اتخذوا الطواغيت أولياء، وهم إلى النار خالدون.

والدخول للنار يكون للطواغيت ويكون لأتباع الطواغيت، كما يقول الحق فى كتابه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ «الأنبياء: ٩٨» إن أتباع الطواغيت، والطواغيت فى نار جهنم. وقانا الله وإياكم عذابها.